الاثنين، 24 ديسمبر، 2012

عبدالله الشروقي: عزفت السلام الأميري في عام 1935

حاوره - خالد أبو أحمد:


بعد غيبة طويلة اقتضتها ضرورة البحث والتقصي والإلمام بالمعلومات التاريخية المثبتة، نحن اليوم في سياحة عبر الزمن، نطوف خلالها على أيامٍ شكل تتاليها شخصية البحرين الحديثة.

ضيفنا اليوم أحد أبرز العاملين في حقب الثلاثينات إلى الثمانينات من القرن الماضي، علم من أعلام البحرين، وفذ من أفذاذ عائلة الشروقي العريقة.

سجل التاريخ اسم عبدالله بن سعد الشروقي بأحرف من نور لجليل أعماله الوطنية، ودوره الكبير من خلال مهام كثيرة أداها ومناصب كبيرة تقلدها، وكان مصدر ثقة حكام البحرين السابقين واللاحقين.

تاريخ وإنجازات

تنقل من أصغر وظيفة حتى وكيل وزارة، وكان يتحمل كل الأعباء تقريباً بدافع القوة والنشاط وهو بمقتبل العمر، وتزامن عمله في سنوات بدأت تتشّكل فيها شخصية البحرين، كدولة أثبتت وجودها بجهود أبنائها البررة أمثال ضيفنا الكريم.

الشروقي من الرعيل الأول في الخدمة المدنية، ساهم في تطوير العمل البلدي والإداري، ممن أفنوا زهرة شبابهم في خدمة البحرين في كافة المجالات دون استثناء، ونجد من خلال هذه المقابلة الصحافية أنه الأول في مواقف كثيرة.

أول من عزف السلام الأميري عام 1935، أول من عمل مع الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة في تأسيس الاتحاد البحريني لكرة القدم، وأول من اقترح فكرة دورة الخليج لكرة القدم، وأول من درس التحكيم لكرة القدم في إنجلترا بمعهد مانشستر عام 1956.

ذهبنا إليه في بيته العامر بمنطقة القضيبية بالمنامة استقبلنا بحفاوة وكرم بحريني أصيل، وتذوقنا القهوة مع التمر وتبادلنا معه الأحاديث الجميلة وذكريات الصبا وأيام الشباب والحيوية والسعادة بالعمل من أجل البحرين، من خلال هذا الحوار الذي ساعدني فيه الأخ جاسم محمد إلياس الشروقي، نتجول في صفحات تاريخ البحرين الحديث، وأيام تأسيس الدولة ورجالاتها، لمعرفة أهمية وجود البحرين في المنطقة الخليجية ونظرة الآخرين لدورها الريادي تجاه كثير من القضايا.

بدايات النشأة

*حدثنا عن نفسك.

حقيقة لا أحبذ الحديث عن نفسي، وعندما تقاعدت عن العمل طلبت مني الحكومة وتلفزيون البحرين أن أتحدث عن مسيرتي العملية وعن شخصي ورفضت، باعتبار أن حياتي ملك ليّ، وما قمت به واجب وطني لا أريد تسليط الضوء على نفسي، أرجو أن تسامحني.

*ما الأحداث المهمة في البحرين التي كنت لصيقاً بها؟.

ما عايشته من أحداث كثير ولي فيها مساهمات، أتذكر زيارة ولي عهد السعودية آنذاك سعود بن عبدالعزيز آل سعود للبحرين، كنت حينها ممن كتبوا الخطاب الترحيبي وطبعته على الورق عام 1936، وكنت ضمن من جهزوا للاحتفال ومستلزماته، كنت في عز الشباب وكلي همة ونشاط وحيوية، وخلال الزيارة كانت البحرين مبتهجة وسعيدة، ما يوضح مدى قوة العلاقة بين البلدين والشعبين الشقيقين.

*هل كان في ذلك الزمن طابعات؟

نعم كل الإدارات فيها مطابع زودنا بها المستشار الإنجليزي بلجريف، هذا الرجل كان داهية، بالمناسبة بلجيرف عمل في السودان مستشاراً أمنياً أيام حكم الإنجليز، وبعدها قدم البحرين بعد أن قرأ إعلاناً في إحدى الصحف الإنجليزية آنذاك بحاجة البحرين لمستشار فكانت الوظيفة من صالحه لما له من إمكانات إدارية، أتذكر عندما عمل بلجريف في البحرين كان لديه حرسه الشخصي واسمه عوافي صومالي الجنسية وكان لاعب كرة قدم ماهر، ومحبوباً بين الناس.

تأسيس اتحاد الكرة

*بمناسبة كرة القدم يقال إنك لعبت دوراً كبيراً في تأسيس اتحاد الكرة البحريني؟.

في بداية الخمسينات كانت البحرين تتطلع أكثر لمواكبة التطور، وما كنت أدري أن سيكون لي علاقة بهذا المجال رغم أني لعبت كرة القدم، وذات يوم ذهبت للشيخ محمد بن خليفة آل خليفة في مكتبه، كان حينها مديراً للإقامة والجوازات لأتباحث معه في أمر ما، وبعد أن انتهيت من مهمتي قال لي لماذا لا تساعدني في إنشاء اتحاد لكرة القدم في البحرين؟ قلت له ليس لدي مانع وبالفعل تم ذلك.

عملت مع الشيخ محمد في تأسيس اتحاد كرة القدم عام 1952، وعينت سكرتيراً لرئيس الاتحاد، ثم نائباً لرئيس اتحاد البحرين لكرة القدم منذ ذلك الوقت وحتى السبعينات، وكانت توكل لي كل المهام الإدارية وأعمال السكرتارية، وكنت أجيد الطباعة على الماكينات الإنجليزية القديمة.

*كيف جرت عملية التأسيس؟

أجرينا اتصالات كثيرة ونفذنا الكثير من الأعمال، والإنجليز العاملين في شركة النفط «بابكو» ساعدونا، وحقيقة لم نجد صعوبة في عملية التأسيس، ولم تكن هناك تعقيدات.

يقال إنك أول من طرحت فكرة دورة الخليج لكرة القدم

نعم صحيح، كان ذلك على ما أعتقد منتصف أو نهاية الستينات، بالمناسبة كنت أرأس بعثات المنتخب البحريني لكرة القدم للعب في الدول الخليجية، وأذكر كنت رئيس البعثة لملاقاة منتخب الكويت الوطني وخسرنا النتيجة، وبعد فترة ترأست البعثة البحرينية لملاقاة منتخب قطر، بالفعل كانت دول الخليج تحتاج لدورة تنافسية في كرة القدم لأنها دول شقيقة وبينها الكثير من الروابط الاجتماعية والاقتصادية، فإن الدورة تقوي أواصر هذه العلاقات.

البحرين عقدة للخطوط الجوية والبحرية

*كيف كانت البحرين مقارنة بباقي دول الخليج العربي؟

حقيقة البحرين كانت متطورة في بداية الخمسينات وكانت السعودية في بدايات البحث عن النفط، وكذلك باقي الدول لا تزال في البدايات الأولى للتطور، والمنامة صارت قبلة الزوار من أهل الخليج بالذات لأنهم كانوا يسافرون للبلاد البعيدة عبر بلدنا، وكان مطار البحرين تأسس عام 1937 وبدأ يستقبل الطائرات من الدول الكبيرة قبل أن تنشأ الخدمات المنتظمة.

كان مطار البحرين عبارة عن أرض مسطحة، وآنذاك لم يكن لدول الخليج العربي شركات طيران ولا مطارات، وفي عام 1950 بدأت الخطوط البريطانية في الوصول لمطار البحرين الدولي في المحرق وبصورة منتظمة، وكان اسمها آنذاك «برتش إمبريال آيرويز».

وتجسد التطور في البحرين في كونها ملتقى طرق بحرية، وكان أهلنا الخليجيين يأتون هنا لأسباب كثيرة منها للتسوق والتبضع والتزود بالمطبوعات والسفر من البحرين إلى أي مكان، وكانت المنامة حلقة الوصل ما بين البصرة والكويت ودبي ومسقط وبيروت وبومباي آنذاك كانت مزدهرة بالعرب من تجار اللؤلؤ، وكذلك كانت المنامة مدخل لدول الخليج إذ يعبر القادمون إليها عبر البحرين في الذهاب والإياب، وكانت أهم وسيلة للسفر عبر البحر شركة أنديال برتش أيرلاين، كانت لها سُفن وبواخر تنقل الركاب من البحرين والبلاد الأخرى وبالعكس، يعني البحرين كانت محطة مهمة في طرق المواصلات البحرية والجوية على السواء.

البحرين محطة ثقافية

*يعني يمكن القول إن البحرين كانت بوابة دول الخليج لدخول الثقافة؟.

نعم بكل تأكيد فإن عبور الثقافات المتعددة والمختلفة عبر البحرين والتعامل مع الزوار والتجار بكل جنسياتهم ولغاتهم المختلفة، كان سبباً في تفرد البحرين ثقافياً ومعرفياً، وصادف ذلك استخراج البترول في وقت مبكر سبق كل دول المنطقة، ومنذ الأربعينات كانت البحرين تتطور في كافة المجالات وحتى اليوم.

كانت الصُحف المصرية تصلنا باستمرار، وكنا مشتركين فيها وأذكر منها جريدة اللطائف المصورة وجريدة الأهرام، وكان الناس يقرأونها في الأندية الأدبية المنتشرة في مدن البحرين، وفي المحرق كان الشباب والمثقفون يتجمعون في المنتدى الإسلامي قرب بناية المؤيد الكبيرة مقابل بنك البحرين الوطني، يطالعون الصحف والمجلات ويتناقشون أمور الثقافة والأدب، وكانت لدى الأستاذ سلمان كمال مكتبة كبيرة وكان مواطنو دول الخليج يأتون للبحرين ليتزودوا منها بكتب وصحف ومجلات تصلنا من مصر ولبنان ودول أخرى.

وحسب التواصل البحري بين البحرين والبصرة في العراق كانت تأتي أيضاً الكتب المؤلفة والمطبوعة هناك، ومن بيروت أيضاً تأتي الكتب وغيرها، وأن التواصل بين هذه المحاور مكن البحرينيون من الاطلاع على الكتب في كافة المجالات والإصدارات الحديثة من شعر ورواية وغيرها، حيث أن البحرين والبصرة وبيروت والقاهرة بينهم روابط ثقافية وتاريخية قديمة.

*ما الأشياء التي ميزت البحرين عن باقي دول الخليج العربي؟

أشياء كثيرة لأن البحرين كانت سباقة في كل شيء، كانت الأولى في إنشاء البلديات واستخراج البترول والإحصاء، بالمناسبة كنت مشرفاً على أول إحصاء في البحرين وكان معي سيد محمود وأعددنا وأشرفنا على عملية التعداد عام 1952 وعدد السكان كان حينها 52 ألف نسمة، البحرين أيضاً كانت الأولى في استقبال الطيران العالمي وأول شركة طيران قدمت الخليج وحطت في البحرين وهي الخطوط الملكية البريطانية، والبحرين الأولى في إنشاء المدارس والمستشفيات والمراكز الصحية وابتعاث المدرسين للخارج، واشتهرت مدينة الحد بالمدرسين وكان أبناؤها يعملون في التدريس في كل مناطق البحرين، بل كانت بعض الدول العربية تطلب مدرسين من البحرين.

*ما قصة دراستك التحكيم في إنجلترا؟

والله هذه قصة طريفة بعض الشيء، في مرة من المرات بعثني رئيس البلدية آنذاك الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة إلى إنجلترا في إطار عمل الإدارة، كنت حينها موظفاً صغيراً وصادف وجودي هناك الشيخ عطية الله آل خليفة وأيضاً كان مبتعثاً من حكومة البحرين في فترة تدريبية، ويوماً ما كنت في ميدان كرة أقف لمشاهدة مباراة وكان مجموعة من الإنجليز يلعبون الكرة وكنت أقف أشاهدهم فطلبوا مني تحكيم المباراة قلت لهم «أوكي» سلموني الصفارة فخلعت بدلتي ودخلت الملعب، وحكمت المباراصة أعجبوا بإدارتي في التحكيم ووقفوا وتحدثوا معي وتعرفوا عليّ وشكروني وقالوا ليّ إنك مؤهل أن تكون حكم كرة قدم لأنك أدرت المباراة بشكل يدل على صلتك بالتحكيم، فقلت لهم لا ليس لدي صلة بالتحكيم لكني لعبت كرة القدم والذي يلعب الكرة بكل تأكيد يلم بأساسيات التحكيم الكروي، فقدموا لي اقتراحاً بأن أنال دورة في التحكيم ببريطانيا فوافقت على الفور.

ورجعت البحرين ثم عدت مرة أخرى لإنجلترا وحضرت دورة تحكيم كرة القدم في معهد مانشستر للتحكيم، وامتحنت وحصلت على شارة تمكنني من ممارسة هذا النشاط الرياضي، وكنت محتفظاً بها لفترة طويلة لكن للأسف أولادي في البيت أضاعوها مني وكنت أنوي الاحتفاظ بها.

وفترة غيابي في إنجلترا أثرت على العمل لأني كنت أحمل أعباءً كثيرة إدارية وعملية ومهام السكرتارية ومنها طباعة الخطابات والرسائل والمذكرات الخاصة بالعمل، لذا وصلت وانكفيت على العمل لأعوض فترة غيابي في إنجلترا بالدورة التدريبية.

بدايات تدفق النفط

* هل تذكر أيام التنقيب عن النفط في البحرين؟

نعم بكل تأكيد، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية جاءت أول شركة للتنقيب عن النفط في البحرين، وكان رئيس الشركة أسترالي الجنسية اسمه مستر هومس، رجل كريم سكن قرب بيت يتيم في المنامة، وفي أيام الأعياد كان يجلس على «زولية» ومعه كمية كبيرة من الفلوس ويعطي أطفال الحارة روبيتين وفي تلك الأيام كانت الروبيتين مبلغاً كبيراً في بداية الثلاثينات من القرن الماضي، هذا الأسترالي أخذ امتياز الشركة وباع حقوقها لشركة نفط البحرين «بابكو»، واستلم حقوقه وغادر البحرين، وأتذكر أول مدير لشركة «بابكو» كان مستر أسكنر، طبعاً البحرين كانت صغيرة المساحة وكنا نعرف أسماء الأجانب في الشركات الكبيرة.

*متى بدأ التعليم في البحرين؟.

بعد الحرب العالمية الثانية جاء الإنجليز إلى مدينة البصرة في العراق ونزلوا فيها وعمروها وطوروها وأنشأوا فيها مطاراً بحرياً، كان الأول في العراق، ولم يكن في منطقة الخليج مطارات ولا وجود لشركات طيران، مدينة البصرة كانت عامرة بالنشاط الاقتصادي والتجاري والثقافي، كان فيها قنصلية أنجليزية، وعندما جاءها الإنجليز عملوا على التبشير بالدين المسيحي، وكانت العراق الدولة الخليجية الأولى التي يبدأ فيها التبشير الكنسي وهؤلاء المبشرون جاؤوا من أمريكا بمساعدة الإنجليز، ومن البصرة مباشرةً جاؤوا إلى البحرين عام 1898 وفتحوا أول مستشفى وهو مستشفى الإرسالية في ذات العام.

ومن خلال وجودهم في البحرين بدؤوا عملهم في ممارسة التعليم كمدرسة تبشير، وبعد فترة انتبهت الحكومة لهذا الشيء فتم إنشاء مدرسة الهداية الخليفة في المحرق، ومدرسة ثانية باسم الهداية الخليفية في المنامة وأنا شخصياً درست فيها، لكن ناس المحرق لم يعترفوا بمدرسة الهداية في المنامة واعترفوا فقط بمدرسة الهداية الخليفية في المحرق ويعتزون بها غاية الاعتزاز.

*في أي موقع كانت الهداية الخليفية بالمنامة؟

تقع في المنامة ولا تزال موجودة حتى الآن، لكن غيرنا اسمها لمدرسة «أم المؤمنين» لأنها تقع في حارة يسكنها الأخوة الشيعة، وكان أساتذتها من سوريا، وأتذكر آخر مدير لهذه المدرسة فلسطيني من غزة كانت في تلك الأيام تحت حكم الإنجليز، وكان المدير صديقاً للأسرة لأن بيتنا كان قريباً من المدرسة وكان المعلمون في المدرسة يعزموننا على وجباتهم في المناسبات ورمضان والأعياد وكنت صغيراً وأبي توفى وعمري 5 سنوات.

قصة آل الشروقي

*ماذا عن أسرتك؟

طبعاً أسرتي آل الشروقي من بادية دبي بالإمارات العربية، وهم أهل بحر وكانوا أصحاب سفن كبيرة ولهم سمعتهم في عالم البحر الواسع، واشتهروا بالخبرة والحنكة في العمل داخل البحر، وكانت لهم سفن كبيرة يعرفها القاصي والداني وعملوا في الغوص ولهم سيرة كبيرة في هذا المجال، وآل الشروقي أنعشوا الغوص وتجارة اللؤلؤ في البحرين، وبرعوا في النقل البحري، ومن خلال عملهم في البحر كانوا ينقلون الأغراض من مكان لآخر في المنطقة الخليجية كلها، واشتهروا بالخبرة في معرفة البحار والتعامل مع تقلباته، واستأجرهم آل خليفة لنقل أغراضهم من الزبارة للبحرين، وبعد أن وصلوا المحرق طلبوا منهم أن يقيموا في البحرين ويعيشوا فيها.

وقال آل خليفة لآل الشروقي «أقيموا في البحرين قد نحتاجكم مرة أخرى»، ففعلوا فأعطوهم قطعة أرض كبيرة في منطقة الحد حيث لا زالوا يعيشون في هذه المنطقة البحرية، وشارك أبناء آل الشروقي في مستقبل الأيام مع الآخرين في نهضة وتطور البحرين في كافة المجالات.

*ما هي قصة الشيخ عبدالله بن عيسى واحتفالات أهل المحرق بعودته من إنجلترا؟

القصة تعبر عن وفاء أهل المحرق وحبهم واعتزازهم بآل خليفة الكرام، وفي تاريخ 23 نوفمبر 1919 احتفلت منطقتي المحرق والمنامة احتفالاً كبيراً وتاريخياً استقبالاً للشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة عندما جاء من لندن عن طريق بيروت البصرة البحرين، بعد رحلة علاجية من مرض داهمه فترة من الزمن.

عُرف الشيخ عبدالله بن عيسى بمناكفته ومشاكسته للإنجليز، وعندما انتهى من الفترة العلاجية هناك عاد للبحرين ببارجة عسكرية إنجليزية اسمها «شُوّرّم»، وفي ذلك التاريخ أنا كنت وُلدت، لكن هذه الحادثة كانت مثار حديث لسنوات طويلة، لأن الاحتفال والفرحة بعودة الشيخ عبدالله من رحلة العلاج كان احتفالاً كبيراً وابتهجت المحرق والحد بهذه المناسبة.

*ما السر في حب أهل المحرق عموماً لآل خليفة؟

طبعاً آل خليفة عاشوا في المحرق من زمان طويل وتربطهم بالأهالي علاقات محبة واحترام وتقدير وصداقة بل علاقات دم ورحم، آل خليفة تزوجوا وصاهروا العديد من العائلات المحرقية العريقة، فهم عاشوا بين الناس ولم ينفصلوا عنهم، ومن هنا تأتي هذه العلاقات القوية الراسخة وسجل التاريخ البحريني الكثير من المواقف في ارتباط آل خليفة بأهالي المحرق والمنامة.

*ما شكل علاقاتك بالشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة وأنت موظف كبير في الدولة؟

علاقتي بكل الشيوخ كانت جيدة للغاية، وبحكم العمل والمسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتقي، ربطتني بهم أواصر المحبة والتقدير ومن أشكال العلاقة مع سمو الأمير السابق الشيخ عيسى بن سلمان، كان كلفني مرة بمهمة علاج حاكم أم القوين الشيخ أحمد المعلا الذي كان يعاني من مرض، والسفر معه إلى الهند مع ابنيه عام 1973، وأعطاني سمو الأمير حوالة مالية مفتوحة للصرف على علاج الشيخ، وبالفعل وصلنا الهند ونزلنا في فندق كبير، وأعددنا كل لوازم الضيافة لزوار حاكم أم القوين ممن يريدون الاطمئنان والسلام عليه باعتباره حاكماً.

وهذه كانت لها أصولها وتقاليدها المرعية، وباشرنا العلاج، وبعد أن فرغنا من المهمة العلاجية بعث لنا سمو الأمير بطائرة خاصة أقلتنا من الهند إلى البحرين، وكشف الطبيب أن الشيخ يعاني من مرض السُكر وتم علاجه وعرف الكيفية التي يتعالج به بنفسه وكيفية أخذ الإبرة كلما شعر بزيادة السكر في دمه، وفي تلك الأيام لم يكن مرض السكري معروفاً لدى عامة الناس.

والغريب أن ابن حاكم أم القوين الشيخ راشد بن أحمد المُعلا بعد عامين من علاج والده، أرسل كتاباً لسمو الأمير يطلب فيها علاجه من المرض، وكانت البحرين بعد ذلك أنشأت المستشفيات المتطورة خلافاً لباقي دول الخليج فتم علاجه في البحرين، ورجع شاكراً ومقدراً للشيخ عيسى بن سلمان آل خليفة كرمه وجوده.

في الحقيقة كان حكام الخليج ولازالوا يتعاونون مع بعضهم البعض كأسرة واحدة وحقيقةً البحرين كانت سبقت كل الدول الخليجية في التطور وتقديم الخدمات التي يحتاجها المواطنون، وكانت قبلة للجميع من الحُكام وأبناء الخليج عموماً.

وربطتني بالأمير السابق الشيخ عيسى بن سلمان علاقة محبة وتقدير، كنت مصدر ثقة بالنسبة لحُكام البحرين السابقين واللاحقين وكنت مستعداً لأداء أي مهام أكلف بها داخلياً أو خارجياً، ولم أتوان أبداً في خدمة بلدي البحرين.

*في الثلاثينات كنت يافعاً وعملت في البلديات فترة طويلة من الزمن وتنقلت حتى وصلت إلى منصب وكيل وزارة.. ما مهام البلديات في ذلك الزمن؟

البلديات في ذلك الوقت كانت هي الكل بالكل، وكنا ننظم البلد بكاملها الأسواق والمحال التجارية والمرافق الرسمية، ونتولى مهام النظافة وكان لدينا أسطول ضخم من السيارات والناقلات وكنت شخصياً مسؤولاً عن هذا الأمر، إضافة إلى التفتيش الصحي والتأكد من سلامة ونظافة المطاعم والمحال التجارية، ولم يكن هناك وجود لشركات النظافة وكان البحرينيون هم من يؤدون هذا العمل وعلى أكمل وجه ولم يكن هناك من يرى هذا العمل معيباً.

*ما أكثر المواقف في حياتك لا تنساها أبداً؟

كثيرة هي المواقف في حياتي لكن أكثرها أهمية كان تتويج حاكم البحرين الأسبق الشيخ حمد بن عيسى الكبير، كنت أعزف على الموسيقى في المدرسة في عمر الثامنة، وكان الاحتفال تاريخياً بمعنى الكلمة، تعلمنا العزف في الفرقة الموسيقية من ضابط في الجيش الإيراني كان هرب إلى البحرين اسمه هاشدان، ومن المواقف التاريخية التي لا أنساها أيضاً كنت أول من عزف السلام الأميري في البحرين عام 1935       انظر   صحيفة الوطن - العدد 2568 الجمعة 21 ديسمبر 2012

خميس وسنان الشروقي.. العلاقة مع «سمحان» أشهر سنابيك الحد

كتب - خالد أبو أحمد:

مازال في جعبة آل الشروقي البحرينية الكثير من الأفذاذ، ممّن جمّلوا وجه الحياة بإبداعاتهم وأدوارهم الوطنية والاجتماعية والثقافية، وزينوا تاريخ هذه الأرض بجميل الخصال وترسيخ القيم النبيلة.

وقفنا في الحلقات الماضية مع سيرة الشاعر عبدالله بن خميس الشروقي، وتناولنا سيرته العطرة ودوره في حركة التعليم والعمل الوطني، وأبحرنا في شعره وقدمنا نماذج منه، وفي الحلقة الأخيرة أبحرنا في عالم المعجزة السردال سالم بن جمعة الشروقي خبير البحر والغوص واللؤلؤ، وتحدثنا عن معجزاته وخوارقه في عالم البحر والغوص، وكشفنا سر المثل البحريني المشهور “الطينة طينة ريا والهير هير اشتيا” المسجل باسمه.

ونقف اليوم عند الأخوين الشقيقين النواخذة خميس وسنان بن جمعة بن محمد الشروقي، نتناول سيرتهما ومواقفهما وأدوارهما الخيرية منها والاجتماعية وقصتهما مع عالم البحر الواسع الامتداد، وعلاقتهما بالسنابيك وهما صاحبي معدي وسمحان أشهر سنابيك منطقة الحد ذائعي الشهرة في الخليج العربي.

عظيم المكارم والسجايا

النوخذة خميس بن جمعة الشروقي الأخ الشقيق للسردال سالم بن جمعة، ويمثل أحد أفذاذ هذه الأسرة الكريمة، رجل فاضت به المكارم والسجايا فهو عظيم الشأن طويل القامة نحيف الجسم كريم النفس يبذل من المال الكثير حتى يقول القائل يا بوعبدالله خسرت الكثير من المال فيقول بل ربحت، ولسان قلبه يكرر “ما نقص مال من صدقة”، وكان له سمة جميلة وهيبة عظيمة وصدق في الحديث ولا يتكلم إلا القليل المفيد.

ويقول الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة حاكم البحرين الأسبق جد جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة “كان النوخذة خميس بن جمعة بن محمد الشروقي جيد الحديث تحسبه وهو يتحدث كأنه يلقي الشعر”.

واشتهر خميس الشروقي وسط المجتمع آنذاك إضافة لكرمه الفياض بالثقافة العالية التي مكنته من أن يكون واسع المعرفة والاطلاع، ومن هنا كانت عبارته جميلة للغاية ولغته سلسة غنية بكل ما هو جميل من بحور اللغة العربية السمحاء.

السنابك

وكان لخميس بن جمعة سنبوك اسمه معدي، وهذا الاسم كما هو واضح يشير إلى أنه لا يقف في وجهه حائل من أن يعبر للمكان الذي يريد، وعُرف عنه بالفعل يتعدى ويتجاوز الصعاب في كل الأحوال، وللنوخذة خميس مجلس من خلاله كان يتواصل مع الأهل والأصحاب والضيوف، والزُوار من داخل البحرين وخارجها، ومبنى المجلس مكون من دورين واحد سفلي والآخر علوي أحدهم للضيافة ومبيت الزوار والضيوف وعابري السبيل، والثاني للضيوف الذين يترددون يومياً على مجلسه.

ويقول الراوي سعيد بن خليفة الراشد البنعلي “عندما يأتي زائر إلى منطقة الحد يقول القائل (إن شاء الله يأتينا هذا الضيف قبل أن يذهب إلى النوخذة خميس الشروقي حيث لا نستطيع أن نفعل ما يفعله من إكرام للضيف وتقديم كل ما يلزم الضيافة والترحاب).

وهناك العديد من الحكايات التي تروى عنه في إكرامه واحتضانه للضيوف ومحبته للناس، وفي ذلك يقول الوجيه عبدالله بن سعد بن سالم الذي عاصر النوخذة خميس وجلس معه ورافقه في إحدى السفرات يقول “للنوخذة خميس بن جمعة سنبوك اسمه معدي ويستخدمه عند الحرب فهو سنبوك حربي بمعنى أنه مخصص لهذا الدور واشتهر شهرة واسعة”.

وفيما يختص بالسنابيك نذكر بعض ما ورد عن النوخذة خميس والسنابيك التابعة لآل الشروقي وهي 4 سنابيك مخصصة للصيد والحرب وفي التنقل من مكان لآخر.

وفيما يتعلق بالغوص والذهاب إلى المغاصات فإن خميس بن جمعة كان يتبع شقيقه السردال سالم في رحلاته البحرية، وله سنبوك أصغر حجماً وكان يحظى بارتفاع وسرعة وخفة في حركته، وعندما ينتهي موسم الغوص يستخدم السنبوك للسفر إلى بلاد الهند لبيع المحصول البحري، وشراء الرز والدهن وحاجيات البيت الكبير الموجود في منطقة الحد، كما كان يجلب معه من الهند أغراض الغوص التي يستخدمها في الموسم المقبل.

ويقول أحد أبناء المناعي عندما يبحر جده المناعي إلى الهند يلتقي بصاحبه النوخذة خميس، ثم يبحرون معاً إلى بحر السيلان لاستخراج اللؤلؤ أين ما كان، وهذا يدل على معرفتهم الوثيقة والدقيقة بالبحار والمحيطات ولم يكن نشاطهم البحري ينحصر في بحر الخليج العربي بل يتعداه لأبعد من ذلك، وبالفعل كان للنوخذة خميس بن جمعة الشروقي دراية كاملة ببحر الخليج العربي والمحيط الهندي ثم البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط وهكذا تكون القيادة البحرية كما وصفها بن ماجد.

كرمه ووفاؤه

الراوي إبراهيم بن رحمة البنعلي يُعدد بعض مناقب النوخذة خميس بن جمعة ويقول عنه “في أواخر أيام الغوص كان للنوخذة خميس بن جمعة زميل وصديق يعمل نوخذة أيضاً في منطقة الحد، تأثر كثيراً لعدم قدرته على مواصلة العمل في الغوص نسبة للأوضاع المالية التي كانت ترافقه في تلك الأيام، ولم يكن هذا النوخذة زميل خميس بن جمعة شخص عادياً بل كان من أسرة و قبيلة كبيرة لها سمعتها وهو وجيه قومه حينها، حيث الديّانة والغاصة والديّون على أبوابه.

وشاءت الأقدار أن يكون موسم الغوص في ذلك العام ضعيفاً، والنوخذة لا يستطيع أن يؤدي دينه ويدفع ما لديه من ديون، وعندما علم خميس بن جمعة بحال صديقه النوخذة من ضعف وسوء حال، أخذ يحمل النقود على حمير واتجه بها لصديقه الذي كان في أمّس الحاجة لمن يمد له يد العون، وكان موقفاً إنسانياً ظل حديث الناس في تلك الفترة لما فيه إيثار على نفسه وأهل بيته.

وقُدرت الأموال التي حملها خميس بن جمعة الشروقي لصديقه حوالي 30 ألف روبية، كانت قمة في العطاء وفي الوفاء للأخوة الصادقة، وفي الحقيقة لم يكن غريباً على آل الشروقي هذا الكرم في أجدادهم وآبائهم وأورثوا أبناءهم وأحفادهم هذا الكرم وهذه السجايا الجميلة التي تنم عن حسن الخلق وحسن المنبت، وورث أبناء الشروقي الكرم والجود والعطاء إلى يومنا هذا ذرية بعضهما من بعض.

والنوخذة خميس بن جمعة الشروقي الرجل الثاني في الأسرة الكريمة، كان يدير الأموال ويحافظ عليها ويُنميها ويخرج منها الزكاة، وكانت صناديق الأموال في دار خميس بن جمعة يبسط البساط عليها، وكانت داره تتزين بحسن العطايا وجميل الصفات، كانت داراً كبيرة والصناديق على طولها وعرضها، وهم ينامون عليها ويجلسون عليها، وكانت هذه الأموال تُوُدع عند النوخذة خميس بن جمعة الذي كان يدير صيانة السنابيك وتصليحها والإنفاق عليها حتى تعيش مدة أطول وفي أحسن حال.

وعن أسرته فإن للنوخذة خميس بن جمعة ذرية كبيرة، فهو أكثر من أنجب من الأبناء، فكان له 7 زوجات واحدة توفيت، وطلق اثنتين وكان في ذمته قبل أن ينتقل إلى رحمة الله 4 زوجات، وخلف أبناء وأساتذة يعلمون الأجيال ثم الأجيال بكرم الآباء والتضحية من أجل وطن مثل البحرين، وفي مرات قادمة نجري حواراً صحافياً مع أحد أحفاد النوخذة خميس بن جمعة، وهو الحفيد أول من أنشأ بنكاً إسلامياً في مجموعة سيتي بنك الأمريكي، وهو الوجيه محمد بن إبراهيم بن جمعة بن خميس الشروقي المدير الإقليمي لأكبر وأشهر البنوك الأمريكية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

«سمحان» سيد البحر

مازلنا نتلمس الأثر الطيب من سِير أفذاذ آل الشروقي ودورهم في التاريخ الحديث للبحرين، النوخذة سنان بن جمعة بن محمد أحد هؤلاء الأفذاذ صاحب سنبوك سماه “سمحان”، وسمحان من التسامح، وهو يعكس ما في قلبه وروحه من تسامح ومن أريحية، والسنبوك مرتفع كالقلعة في وسط البحر ويكتسب سمحان مهارات بحرية فريدة ومن يراه يعرف مكانة صاحب السنبوك الاجتماعية، فسمحان ومعدي والسيد زعماء البحر وأسياده في موسم الغوص وفي أيام الحرب كذلك.

طويل القامة أحمر الوجه، صاحب لحية كثيفة تدل على تدينه، كريم النفس عطاء غير منقطع، له مجلس يلتقي فيه بالناس والضيوف والزوار ما بين المغرب والعشاء، ومجلس آخر بعد صلاة الفجر مباشرة حتى يومنا هذا لم ينقطع عن التواصل مع الأهل والأصحاب والضيوف والزوار.

تزوج 4 زوجات وأنجب ذرية كبيرة ولكن مشيئة الله عز وجل لم تقدر له أن يعيش كل الأبناء ومن ذريته إلا ولدين فقط وهما عبدالله وأحمد، وأحمد هذا أنجب ولداً واحداً سماه يوسف ثم توفى، وكانت زوجته حامل فسمى ولده بيوسف بن يوسف ولم يتزوج مرة أخرى، وشاءت إرادة الله أن تنقطع ذريته، والولد الثاني هو عبدالله بن سنان الملقب “ولد سنان”.

وفي هذه السانحة نقف قليلاً مع ولد سنان وهو يروي لنا قصة قريبه وتدل على تدين سنان وعن روحه الشفافة حيث يقول “في يوم ما وأنا ذاهب إلى الحظرة ما بين صلاة المغرب والعشاء فإذا برجل غريب (درويش) يقف عند باب الجامع وهو ليس من أهل الديرة يلتفت يمنة ويسرة فسلمت عليه، فرد عليّ السلام، فسألني لمن هذا المجلس؟ فقلت للراشد، فقال مغلق؟، فقلت نعم يفتح للمناسبات”.

فطلب عبدالله بن سنان من الرجل الغريب أن يذهب معه لمجلسه لإكرامه، وبالفعل تم ذلك وفي تلك اللحظة كان المجلس يضم بعض رجالات الفريج، فدعا زوجته لتجهيز الطعام ففعلت، فمكث الضيف بالمجلس وهمّ عبدالله بن سنان للذهاب للحظرة فسأله الدرويش إلى أين أنت ذاهب؟ قال له ذاهب للحظرة فقال الدرويش لعبدالله بن سنان الله معك.

فذهب وهناك وجد الحظرة بها الكثير من السمك لدرجة لا يستطيع ولد سنان حمل كل السمك لوحده فنادى أهل الحي الشرقي من مدينة الحد الذين جاؤوا للحظرة وأخذوا منها نصيبهم، وبعد ذلك ذهب عبدالله بن سنان إلى البيت ودخل على الضيف فوجده يصلي فأحضر له الطعام والشراب وأكلا مع بعضهما البعض وتحادثا في بعض الموضوعات، فعندما انتهى من الطعام سأل الدرويش بن سنان عن ذريته فأجابه بأن الله لم يرزقه ذرية بعد.

فحكى ولد سنان للدرويش قصة وفاة أبنائه كلما بلغ أحدهم سن الخامسة عشر وعددهم 8 من الأبناء.

فسأل الدرويش بن سنان ماذا تتمنى في الحياة؟ فرد عليه بن سنان أتمنى الذرية الصالحة فقال الرجل لابن سنان سترزق بولد بإذن الله تعالى، فعندما تلد الزوجة المولود أطلق عليه اسم محمد وكنيه بإلياس فقال بن سنان للرجل الضيف إن شاء الله سبحانه وتعالى.

فأحضر ولد سنان السجادة للصلاة والفرش للنوم والماء للوضوء، فترك ولد سنان الدرويش يُصلي وأغلق الباب من الخارج، وفي منتصف الليل خرجت وهبت رائحة كريمة في وسط البيت وكانت شيئاً لافتاً، فتتبع ولد سنان مصدر هذه الرائحة فإذا هي تخرج من المجلس، ففتح الباب وإذا بالدرويش يصلي ويتهجد ويدعو الله تعالى، والرائحة تنبعث من المجلس والرائحة زكية ما أحلاها وألطفها، فرد الباب خلفه، وذهب إلى زوجته وأخبرها بأن الرائحة مصدرها المجلس حيث يوجد الرجل الضيف داخلها وهو يصلي ومازالت الرائحة تخرج من المجلس إلى ساحة البيت الكبير، وكان أمراً عجيباً، فانتظر ولد سنان حتى الفجر ليعرف من الرجل الضيف سر هذه الرائحة، والسر الكامن وراء شخصه، فذهب للرجل لكي يصطحبه إلى المسجد لأداء صلاة الصبح، وعندما فتح باب المجلس ونظر في المكان لم يجد الرجل الضيف وتأكد لبن سنان أنه غادر المكان، وكانت السجادة والفراش مطويين في مكانهما.

بعد صلاة الفجر ذهب ولد سنان إلى العالم الجليل الذي عينه الشيخ عيسى بن علي قاضياً وخطيباً لجامع الحد الجنوبي ليقص عليه ما حدث في تلك الليلة العجيبة، فقال العالم الشيخ عبداللطيف بن محمود الذي أخذ العلم من والده العالم الفقيه محمود بن عبدالرحمن الفارسي الشافعي، فقال فضيلة الشيخ عبداللطيف إن هذا الرجل هو أحد أولياء الله الصالحين.

ولادة «إلياس»

بن عبدالله بن سنان الشروقي

وبعد فترة من الزمن أنجبت زوجة عبدالله بن سنان ولداً وأسماه محمد ولقبه بـ«إلياس” تنفيذاً لوصية الشيخ الزائر، وأصبح إلياس معروفاً في مدينة الحد بـ«إلياس” الشروقي، وكان باراً بوالديه مُطيعاً وافياً لهما وكان وجيهاً في قريته الصغيرة، وكان الناس يأتون إليه ليحل بعض مشاكلهم الحياتية والزوجية، كما كان يؤدي واجبه في صلة الرحم القريبة والبعيدة، وظل مجلسة عامراً بأهل الحي تماماً كما كان في السابق مجلس أبوه ولد سنان عبدالله الذي توفي والده وهو صغير لا يتجاوز السنتين وبنته فاطمة التي أطلق عليها خميس الشروقي أم البنين.

ولهذه المرأة الصابرة حجرة كبيرة خصصتها لأيتام المسلمين وسط بيت عمها خميس بن جمعة، وتربى عبدالله بن سنان بين الأيتام وختم القرآن الكريم ثم التحق مع عمه خميس في مهنة الغوص مع أخوته الأيتام وأبناء عمه، وحافظ ولد سنان على تراث أهله الأصيل وعندما تزوج أنجب ابنين هما محمد وسالم ومازال مجلس ولد سنان عند الأحفاد حتى يومنا هذا تغشاهم الرحمة والبركة.

إن منزل عبدالله بن سنان الشروقي يستقبل يومياً العدد الكبير من الضيوف والنساء والأطفال والأيتام وكيف لا وقد وُلد يتيماً وتربى مع الأيتام لذا هو يشعر بمشاعر اليُتم وحاجة الأيتام للعون والعطف، ومجلسه كذلك عامر بالأحباب من كل أبناء البحرين من سنة وشيعة وما زالت تربط بينهم أواصر المودة والمحبة برغم تصاريف القدر، فإن آل الشروقي اجتمعت فيهم روح التدين والوطنية الحقة التي تجمع أبناء البحرين على صعيد واحد من أجل أن تسود هذه الأرض الطيبة الأمن والاستقرار.

علاقة الحد بمصائد الأسماك

ونحن نتحدث عن الشقيقين النواخذة خميس وسنان بن جمعة بن محمد الشروقي وارتباطهما بمنطقة الحد وعلاقتهما بالبحر، لا بد أن نسلط الضوء قليلاً على علاقة المنطقة نفسها “الحد” بالبحر ومصائد الأسماك، وكما هو معروف فإن قرية الحد تقع في أقصى الجنوب الشرقي من جزيرة المحرق، وكلمة الحد تعني اللسان الرملي، وكانت الحد تشتهر بكثرة الينابيع الحلوة في قاع البحر والتي كانت تسمى بالكواكب، حيث نجد في الجنوب الشرقي أم السوالي وقد سميت بذلك لأن السوالي كانت تغسل بمياهها، والسالية وجمعها سوالي هي الشبكة التي تستخدم في الصيد.

وهناك العديد من الينابيع الأخرى الشهيرة على طول ساحل المحرق مثل جزيرة الساية، وإلى الجنوب قليلاً من أم السوالي نجد “القصاصير”، وهي جمع قصار، وتعني الصخرة في البحر التي تبدو كالقلعة في أوقات الجزر العالي، وتناول المؤرخ المشهور ابن ماجد في كتابه عن البحرين وينابيعها، ووصف القصاصير بقوله “أشد ما يدهش في البحرين مكان يسمى القصاصير؛ حيث ترى الرجل يغوص في أعماق البحر المالح ويحمل معه قربة من الجلد وما يلبث أن يعود بها مليئة بالمياه الحلوة من قاع البحر”.

كان كل شيء حول ساحل الحد يؤكد كونها مركزاً للصيد البحري، وتدل واجهة الشاطئ على ذلك الاهتمام بالصيد والصيادين، ومن ذلك نصب الحظورالمنتشرة وبناء ما يسمى بـ«البراحة” على الشاطئ، وهي عبارة عن منصة مستطيلة لها 4 جدران قصيرة، وكان الصيادون يجلسون في الأمسيات للسمر في البراحة الواقعة إلى الشمال قليلاً من حضرة الشروقي، والبراحة تعني المكان الفسيح، وفي مدينة الإحساء هناك ميدان يسمى بالبراحة ما يوحي بالسعة والرحابة في المعنى.

يطل ساحل الحد على جهة الغرب وكذلك تنتشر مصائد السمك على ضفة الساحل الغربي أي جهة الباطن، وهي الجهة التي تقع بعيداً عن تأثير الرياح الشمالية الغربية كما سماها الكاتب دكتسون في مؤلفه، وتسمى محلياً بـ«رياح الشمال”، وفي مقابل جهة الباطن يوجد الظهر والذي يكون عرضة لرياح الشمال المباشرة يقول الباحث إن مصطلح الظهر شُرح له بالعامية بعبارة أنه “مضرب الموج أو مضرب الرياح”، بمعنى المكان الذي يكون في مواجهة الرياح والأمواج. وتهب رياح الشمال على شبه الجزيرة فتغمر حواجز الحظور المرتفعة تمتد قرية الحد على شكل لسان رملي وعلى طول ساحلها نجد البر والذي يكون جزءاً لا يتجزأ من البحر في أوقات المد والذي يسمى السقي، وعندما تنحسر المياه في الجزر تسمى الثبر وهنا يتحول البر إلى أرض رملية مسطحة تنمو فيها “المشعورة”، وهي أعشاب بحرية ليفية متسلقة، وتنمو طحالب “الجن” وهي نسيج ذو لون أخضر زاهي تتغذى عليه الأسماك كما يجمع ويستخدم كطعم لصيد السمك.

الحظائر البحرية

وفي الدراسة القيمة التي ترجمتها بتصرف الباحثة مريم محمد الشروقي والتي نشرت بمجلة “البحرين الثقافية” العدد 25 بتاريخ 1986، تذكر أن موقع الحظرة وتصميمها عادة ما يخضع لتضاريس المكان واتجاه الرياح، تصنع الحظرة من جريد النخل الذي تشتهر به البحرين وهي الخامة الوحيدة المناسبة والمتوفرة محلياً، وتمتد الأذرع الطويلة التي تسمى بـ«المطعم” من الشمال إلى الجنوب ويتم ربطها بحاجز آخر ما يخلق مساحة بينهما تسمى بـ«الحنية”، إن المنحنى المكون من أذرع المد والمطعم يشكل الجزء العلوي من الحنية من الجانب الشرقي ويطلق عليه اسم “والي”، وجمعها “أولية”.

وتشير الباحثة إلى الأجزاء المكونة للحظرة بحسب الاتجاه حيث يقال “والي السافل” أي القسم الشمالي، أما المنطقة التي تربط ذراع المد بقضبان الحنية فتسمى “فجة” أي فكة، وهي مشتقة من الفك

ويقول الباحث الذي نشر الدراسة باللغة الإنجليزية “إن الحاجز الموجود في منطقة الحنية ذكر له باسم “أسرار أول” وأن الغرفة تمثل فخاً يحجز الأسماك تسمى السر، يثبت السر من الخارج في موقعه ويشد بسلسلة أو حبل شداد يسمى (الخية) ويربط في وأتاد تسمى (حواليش) ويدق الحالش في الأرض المسطحة التي تسمى (بالبث) أما في الجزء الداخلي من الحظرة فتمتد حبال عرضية تربط جهتي السر وتسمى بسوار الحظرة” وفي أحد الجانبين من السوار يتدلى (الماعون) وهو بمثابة الخطاف أو السلة التي تجمع فيها الأسماك وعادة ما تجمع الأسماك وعادة ما تجمع الأسماك يدوياً من داخل السر بسلة صغيرة تنسمى “السالية”، وهي أشبه بحقيبة تسوق سلكية متدلية ولها مقابض خشبية على الجانبين، وهي كالمغرفة تملأ بالسمك وتفرغ من الجرات، والجرة إناء من الخوص، وتحمل الآنية المليئة وهي معلقة بسارية عن الأكتاف ويبلغ ارتفاع سور حظرة البزور حوالي 9 أقدام، ويتصل الجارور ببعضه برباط أفقي مصنوع من الجريد يعرف (بالشداد) ومنسوج من الأسفل بـ4 حلقات متوازية من الحبال، إن شكل الزخرفة العنقودية المصنوعة من ليف جوز الهند (القمبر) أعلى السواري القائمة تعرف (بالكذايل) جمع (كذلة) وذلك لوجه الشبه بينها وبين خصل شعر الفتاة البحرينية التي يهدب شعر جبينها  
 
انظر
  صحيفة الوطن - العدد 2463 الجمعة 7 سبتمبر 2012

السردال سالم بن جمعة الشروقي.. خبير البحر والغوص واللؤلؤ

كتب - خالد أبوأحمد:
لآل الشروقي في البحرين كثير من الأفذاذ الذين أصبحوا علامات بارزة يُشار إليها بالبنان، وفي الحلقة الماضية طُفنا في سياحة شعرية وأدبية طويلة مع الشاعر عبدالله بن خميس الشروقي، واليوم كذلك نأخذكم جميعاً عبر صحيفة “الوطن” لكي نبُحر في عالم الإنسان البحريني المعجزة الربانية السردال والقائد البحري المشهور سالم بن خميس الدويس الشامسي (الشروقي)، وهو أشهر من وطأت قدماه بحر الخليج العربي، وأكفأ النواخذة وأقدمهم وأكثرهم خبرة ودراية بأماكن هيرات اللؤلؤ وأكثر نواخذة الخليج العربي معرفة بأعماق البحر، بل معرفة أدق بأسرار الطقس والتحولات الجوية أثناء رحلات صيد اللؤلؤ. وقد أثبت زملاؤه في تلك الرحلات البحرية أنه صاحب معجزة ربانية غير مسبوقة في حاسة اللمس والشم والسمع وتحديد أماكن الهيرات وفي الظلام الحالك وذلك باستخدام النجوم والحسابات الفلكية. وليس هذا فحسب بل إن الله سبحانه وتعالى قد أعطاءه من العلم اللدني ما يعجز المرء عن تفسيره، والسردال الضرير سالم بن جمعة ضربت شهرته الآفاق لخبرته الطويلة في هذا المجال وللقصص الأسطورية التي تُحكى عنه. اشتهر السردال بامتلاكه عدداً من سُفن الغوص تعمل جميعها في المغاصات ببحر الخليج العربي، كانت تبحر بقيادته وهو من يُحدد لها (الركبة) أي ابتداء الغوص و(القفال) أي انتهاء رحلة الغوص، وكما هو معلوم للجميع أن البّحارة في رحلات اللؤلؤ في وسط المياه تمر بهم كثير من المواقف الصعبة ويتعرضون للكثير من الأخطار بعضها يرتبط بتغيير الأجواء والمطر والرياح الشديدة، وانكسار السفينة وأحيانها فقدانها للهدف وضياعها وسط الأمواج القوية العالية، فإن أعماق البحار تحمل كثيراً من المخاطر التي يتعرض لها البحارة، ولذلك يعتبر البحار الماهر ثروة غالية لا تقدر بثمن تماماً مثل السردال سالم الشروقي. مولده ونسبه ولد السردال سالم بن جمعة في منطقة الحمرية الموجودة على ساحل عُمان العام 1835 وتوفي العام 1930، ويقول حفيد السردال سالم عبدالله بن سعد، الذي عاصر السردال سالم بن جمعة لمدة عشر سنوات حتى وفاته: “إن جدي سالم يرجع نسبه إلى الدويس الشامسي حيث أخبره أبناء عمومته من الدويس بعد وفاته أنهم قد زاروه في منزله ومكثوا معه سبعة أيام وكان ذلك العام 1956. وتم هذا اللقاء بين الوجيه عبدالله بن سعد بن سالم وأبناء عمومته الدويس وقد أكدوا بأن النوخذة السردال سالم ابن عم لهم، وكان ذلك بحضور أحمد بن سالم بن مبارك الشروقي وهم يوسف الدويس الشامسي، جمعة الدويس الشامسي، وكذلك أخبرنا عبدالله بن سالم بن إبراهيم الدويس الشامسي بأن آل الشروقي الموجودين في منطقة الحِد في البحرين هم أبناء عمومة لزم”، وهو موجود حالياً في منطقة الجميرة (دبي) في دولة الإمارات العربية المتحدة. (الشروقي) كما جاء في المعجم العماني صفحة 919 من (ش ر ق) وزن الفعولي نسبة إلى (شروق) وهو طلوع الشمس وشروق وزن فعول وهو مبالغة من أقصى الشرق، ويرجع نسبهم إلى بني شامس من عشيرة العوابد الموجودين حالياً في منطقة الحمرية ودبي وأصلهم من العين والبريمي على الحدود مع سلطنة عُمان، وقد ذكر ذلك الشيخ عبدالله بن خلفان الدويس الشامسي. وصول السردال إلى البحرين عين البريطانيين كلويد كأول مقيم سياسي بريطاني في الخليج العربي العام 1822. وكانت أم التعليمات الصادرة إليه هي الحفاظ على أمن الخليج العربي والقضاء على أعمال المقاومة العربية، وفي العام التالي مباشرة قامت بريطانيا بتعيين وكيلين سياسيين في الساحل العُماني وكان الوكيل السياسي مسؤولاً عن جميع الغرامات المختلفة التي يفرضونها على الشيوخ عقاباً على إحداث الاضطرابات التي تقوم في المنطقة. وفي العام 1836 تقريباً، عندما خرج العتوب آل البنعلي في طريقهم لمساعدة سلطان مسقط لتحرير الزنجبار ومرورهم على الساحل العُماني، كان حينها يسود هذا الساحل البحري القواسم والشوامس بعد سيطرتهم على هذا البحر، تقابل قادة البنعلي مع الشوامس وتم قيام حلف بينهما وسمي (حلف العويس) حيث إن العويس من العوابد من قبيلة البوشامس، والعوابد هم العويس والدويس والعبدان والهواشل وغيرهم، مع العلم أن العويس هم أبناء عم للدويس الشامسي، وتم هذا اللقاء مع أبناء جمعة الشروقي والراشد البنعلي (1850-1854)، وتم بناء بيت آل الشروقي في البحرين واستقرت الأُسرة حتى الآن. نشُوء آصرة المودة في الحد يعرف الجميع بأن مدينة الحد تضم بين دفتيها عدداً كبيراً من الأُسر البحرينية وتجمع بينها أواصر المحبة والألفة والتعاون والتكاتف وقد تجاوزوا بالعلاقات الجميلة هذه إلى آفاق رحبة حيث تصاهروا ببعضهم بعضاً، وأصبحت العلاقات بينهم أكبر من مساحة المنطقة نفسها، والذين يقطنون منطقة الحد أو لهم فيها أقارب أو أصحاب يعرفون جيداً هذا العمق الإنساني الجميل. تقع مدينة الحد في الطرف الجنوبي الشرقي لجزيرة المحرق، الواقعة شمال شرق مملكة البحرين، وهى في الأصل عبارة عن شريط مستطيل من الرمل ممتد من الشمال إلى الجنوب في البحر لا يتعدى طوله الكيلومتر، أما عرضه فلا يتجاوز 200 أو 300 متر وهو يمتد حتى يصل رأسه الجنوبي إلى 100 متر تقريباً، وفي وقت سابق من الآن كان هناك جُزر صغيرة تقع بالقرب من مدينة الحد منها جزيرتا أم الشجر والعزل، حيث تم دفن جزيرة أم الشجر ودمجها مع مدينة الحد لزيادة الرقعة العمرانية فيها. سبب التسمية (الحد) في اللغة العربية يطلق على اللسان الممتد من الرمال في البحر، ويطلقه أهل البحر في الخليج على كل شريط رملي يظهر في عرض البحر ويمنع السفن من اجتيازه حتى في ساعات المد، والحد بلغة أهل الخليج العربي هي الأرض التي يغطيها ماء البحر بشكل طفيف عند المد (السقي)، وينحسر الماء عن هذه الأرض عند الجزر (الثبر) لتكون جزءاً واضحاً من اليابسة، ويوجد في الخليج العربي أكثر من 100 مسمى بالحد مثل (حد الذيب) و(حد الجمل). يقول المعمر النوخذة إبراهيم بن أرحمة الراشد البنعلي (عليه رحمة الله) وهو من الرواة المشهورين في منطقة الحد فريج البنعلي “تم التعرف بين الطرفين في وسط الخليج العُماني وأبدى أبناء محمد الدويس وهم جمعة وخميس باصطحابهم ومُجاورتهم في منطقة الحد بالبحرين، وأما خميس فذهب إلى قطر ثم إلى دارين، وأما أبناء جمعة فمكثوا في منطقة الحد فريج الراشد البنعلي، وكما هو معروف لدى الجميع بأن منازل البنعلي والشروقي متجاورون في البحرين وقطر ودارين حتى هذا الزمن من التاريخ وذلك نسبة لقوة أواصر العلاقة التي تربط بينهم منذ قديم الزمان من مودة وأخوة وصداقة ومحبة، ومع مرور الزمن توطدت هذه العلاقة بشكل أكثر فأكثر، وعند وصول أبناء جمعة بن محمد الشروقي وهم النوخذة السردال سالم والنوخذة سنان والنوخذة خميس وإبراهيم إلى منطقة الحد تم بناء منزل كبير بجانب جامع الحد الجنوبي من جهة الجنوب، كما تم بناء مجلسين لهم من دورين أحدهما في الأسفل مخصص للضيوف والزوار، والثاني علوي، أما السردال النوخذة سالم وابنه النوخذة سعد قد بنيا منزلاً وعمارة قرب البحر مقابل ميدف (مرفأ) السفن التابع للشروقي كما قاما ببناء مجلس من دورين، أرضي وعلوي، وأمام باب المجلس عين هيا البنعلي التي حفرت في صرف وأرض الشروقي، وكان لهما معارف كثيرة بين العوائل الموجودة في المنطقة وهم البنعلي والبوفلاسة والسادة والسودان والخوالد وغيرهم من أهل الحد الكرام. الحد المدينة الثانية في جزيرة المحرق ويحفها البحر من ثلاثة جوانب وتقع جنوب قرية قلالي وهي تقع شرق المحرق مائلة إلى الجنوب، وكانت تكثر فيها العيون والآبار والعيون الطبيعية الحلوة، وفي ذلك الوقت كان عدد سكانها 12 ألف نسمة، ويوجد فيها 13 مسجداً وجامع واحد فقط، وهذا الجامع الوحيد الموجود في منطقة الحد حيث منزل النوخذة خميس الشروقي المحاذي للمسجد من الناحية الجنوبية الشرقية، والنوخذة سنان الشروقي منزله يحاذي المسجد من جهة الغرب والشمال، أما بيت النوخذة سالم الشروقي فمنزله أمام المسجد من جهة الغرب الجنوبي وكذلك يوجد مجلس للنواخذة سنان بن جمعة الشروقي ويسمى مجلس ولد سنان، ولكل نوخذة من آل الشروقي قصص وحكايات تُروى حتى يومنا هذا. خوارق السردال سالم بن جمعة كما ذكرنا آنفاً بأن للسردال سالم الشروقي تميز عن أقرانه وأصحابه وزملائه في مهنة البحارة وقيادة سفن الغوص بالكثير من المهارات التي ساهمت في “اندياح” شهرته بين الناس في كافة دول مجلس التعاون الخليجي وبشكل خاص لدى الذين عملوا في البحر، وللسردال خوارق عجيبة وغريبة في ذات الوقت يستغرب المرء وهو يسمع عنها لأول مرة، وعندما نقول خوارق نعني الظواهر الغريبة على بني الإنسان والتي يُمكن أن نقول عنها خارجة عن المألوف وعن الطاقة التي وهبها المولى سبحانه وتعالى لبني الإنسان. القصة الأولى “هير الضائع” عندما يرفع السردال سالم بن جمعة العلم الأبيض للإعلان عن بداية الرحلة يتهيَّأ البحارة التابعون له للإبحار خلفه وهو صاحب الخبرة الكبيرة في أماكن الهيرات ومغاصات اللؤلؤ الصعبة التي لا يستطيع أحد أن يعرفها إلا إذا كانت له خوارق، والتوفيق من الله بطبيعة الحال. يقول الراوي إبراهيم (عليه رحمة الله): عندما كنا في وسط البحر فإذا بسفينة صغيرة ضالة وبها بعض من البحارة الإيرانيين، فقام بحارتنا داخل السفينة بإعلام السردال بأمرها، فقال لهم آتوني بهم فإذا هم بحارة من الهولة ويتحدثون اللغة العربية وأكدوا بأنهم ضلوا الطريق الذي يرجعهم إلى السواحل الإيرانية وكان هناك محار كثير لا يحصى وحجمه كبير ونحن لا نعرف من قبل هذا المكان فعندما “تعبّت” السفينة من المحار حاولنا معرفة الطريق ولكن لم نستطع ذلك. فسألهم السردال من أي منطقة أنتم وأي نجم أخذتم وكم يوماً أخذتم حتى وصلتم إلى هذه الهير الذي تحدثتم عنه؟.... ومن خلال إجاباتهم حول النجم.. وعدد الأيام.. وسُرعة السفينة اكتشف السردال أن الموقع هو هير الضائع، فشرح لنوخذة السفينة الصغيرة الطريقة التي تُوصلهم للمكان الذي يريدون. وفي هذه الأثناء طلب السردال سالم بن جمعة من ابنه النوخذة سعد الإبحار في الساعة الثانية عشرة من منتصف الليل إلى الهير (هير الضائع)، وأمره باستخدام إحدى النجوم للوصول للمكان المطلوب، وشدّد عليه بأن لا يخبر أحداً بذلك حتى اليوم الثاني، فأطفأ النوخذة سالم الفوانيس وجعل “السنمبوك” يتحرك دون أن يشعر به باقي النواخذة في السُفن الأخرى حتى وصلوا إلى “هير الضائع”، وهناك وجدوا المحار في انتظارهم، فطلب السردال من البحار في السفينة الإسراع بالنزول للمغاص، فوجدوا كميات كبيرة للغاية من المحار الكبير المتحرك، منبهاً إياهم قائلاً: “أمامنا يومان أو ثلاثة وسيرحل هذا المحار من مكانه إلى مكان آخر، فعليكم رفع ما تستطيعون منه خلال يومين حتى يمتلئ السنمبوك”، وبالفعل تم إنزال الغاصة من السفينة التابعة للسردال وعمل الجميع بهمة حتى امتلأت، وفي تلك الأثناء كان النواخذة في السفن الأخرى يبحثون عن مكان النوخذة سالم بن جمعة لعلمهم بخبرته الطويلة في معرفة أماكن الهيرات فتم التعرف على مكانه عن طريق أحد “الطواشين”. ولذلك تم تسمية هذا الهير بـ(هير الضايع)، لا يعرفه حتى يومنا هذا إلا النوخذة السردال سالم بن جمعة الشروقي رحمه الله وأسكنه جنات النعيم اللهم آمين. «الاصطدام بالجبل» يقول الراوي إبراهيم بن رحمة نايم بن خميس: في مرة من المرات أبحر السردال سالم بن جمعة في رحلة لمغاصات اللؤلؤ حيث تم رصد النجم والطريق إلى الهيرات في وسط البحر، فطلب من النوخذة الذي يقود السفينة أن ينتبه لقيادة الدفة، وألا يبعد عنها، وفي هذه الأثناء ذهب السردال ليخلد قليلاً للراحة بأخذ غفوة قصيرة، لكن صاحب الدفة من شدة التعب نام ولم يعمل بوصية السردال فترك الدفة والسفينة تبحر بلا قيد فمالت السفينة عن الطريق المقصود، وفجأة قام السردال من غفوته وقد تأكد له بأن السفينة خرجت عن المسار المطلوب. فصرخ قائلاً: خرجنا عن الطريق الذي نقصده. فسأله البحارة.. وكيف عرفت ذلك..؟؟. رد السردال سالم الشروقي: كان الهواء يأتي من أمام وجهي وعندما اختلف المسار وأتاني بالجانب الأيمن، فعرفت أن السفينة قد انحرفت عن الطريق الصحيح. وبعدها قام السردال بضبط النجم مرة أخرى طالباً من البحار قائد الدفة أخذ الحيطة والحذر من النوم، لكنه نام أيضاً هذه المرة، في ذات اللحظة التي كان فيها السردال يغط في النوم، وقد خرجت السفينة مرة أخرى عن المسار. وفجأة استيقظ السردال جمعة الشروقي من النوم وهو يصرخ: أكسِر الدفة أمامنا جبل أقصى اليمين. فإذا بالسفينة تصطدم بهذا الجبل في آخرها، واستطاع السردال إدراك الموقف وتصليح ما تلف من “السنمبوك” الكبير، فسأل البحارة السردال عن كيفية معرفته بمواجهة السفينة للجبل وهو نائم..؟!. فقال لهم: لقد سمعت صوت سمكة السلس وهذا النوع لا يأتي إلا في مكان “رق” -أي أنه مكان ليس بالعميق- ويعتبرارتفاع البحر قليلاً على الفشت، فتخرج هذه السمكة من الماء وتعمل صوتاً فوق سطح البحر فعرفت أن هناك فشتاً أوجبلاً بحرياً أمامنا..!!. القصة الثالثة «صارت مثلاً» «الطينة طينة ريا والهير هير اشتيا”..!!. يحكي التاريخ البحري الحديث في البحرين عن قصة المثل المشهور الطينة طينة ريا والهير هير شتيا، وهي قصة حدثت بالفعل للسردال سالم بن جمعة وثقتها الكثير من المصادر حتى أصبحت مثلاً من الأمثال السائدة في المجتمع البحريني؛ بأن السردال والنوخذة سالم كان يبحر بسفنه ولقد أراد بحارته أن يختبروه في إحدى الدشات من أجل أن يستبدلوا ذلك الموقع أو الهير الخطر بموقع آخر أقل خطورة منه، فجلبوا معهم طينة بحرية من منطقة عين ريا وهي منطقة بحرية قريبة من منطقة الدير وسماهيج، وما أن وصلت سفينة السردال والنوخذة سالم بن جمعة الشروقي إلى مغاص هير اشتيا طلب من بحارته التوقف والنزول لجلب محار اللؤلؤ، فاعترض البحارة جميعاً على ذلك بحجة أن المغاص ليس بهير اشتيا مما تشاكل الأمر عليه، فطلب حبلاً لقياس عمق الهير فقاسها النوخذة الضرير بذراعه فعلم بأن البحارة يحاولون خداعه فدخل معهم في جدل. وللتأكد من صواب كلامه وخطأ بحارته طلب من أحدهم بأن يأتي له بطينة من الرمل من أسفل قاع البحر، وعندها فرح البحارة وقد اتفقوا على أن يعطوه طينة جلبوها معهم فقاموا ببلها بالماء حتى تبدو وكأنها طينة قد أخرجت من قاع البحر للتو، فاخذها النوخذة الضرير وقربها من أنفه وشمها فعرف مصدرها بأنها من عين “ريا” وأما الموقع فهو هير اشتيا عندها قالها بأعلى صوته “ الطينة طينة ريا والهير هير اشتيا” وطلب منهم النزول للبحر جميعاً فنزلوا طائعين بعد أن انكشفت خديعتهم. وفي اليوم الذي تم فيه تعيين الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكماً للبحرين كانت سُفن سالم وخميس بن جمعة الشروقي قد وصلت قادمة من قطر على متنها ما تبقى من أُسرة آل خليفة ومن النساء والأتباع وباقي الأغراض التي كانت هناك، وقد حملت هذه السُفن أيضاً خيول آل خليفة الكرام التي يعتزون بها أيما اعتزاز، والثابت في تاريخ آل الشروقي أن السفن الخاصة بسالم بن جمعة كانت كبيرة وضخمة وتحمل على متنها 100 بحار وقد أكدت المرويات الموجودة بأنها كانت من أكبر سُفن منطقة الحد. كان السردال ضريراً لا يرى ولكنه كان يرى بعين قلبه الذي جعله الله له نوراً، وعين القلب أقوى بكثير من عين الحقيقة، وهناك الكثير من القصص التي كانت تحكى عن السردال سالم بن جمعة الشروقي عليه رحمة الله الواسعة، وفي الحلقة المقبلة نسيح في رحلة مع النوخذة سنان بن جمعة بن محمد الشروقي والنوخذة خميس بن جمعة الشروقي وهما المالكان لأشهر السنابك في ذلك الوقت ومنها السنبوك “سمحان” والسنبوك “معدي” والذين يعرفون هذه السنابيك يعرفون بكل تأكيد مكانة صاحبيهما الاجتماعية. والقراء الكرام على موعد مع كتاب سيصدر قريباً يجمع هذه القصص والحكايات مع تاريخ البحرين المعاصر.
انظر:
صحيفة الوطن - العدد 2372 الجمعة 8 يونيو 2012

الخميس، 6 ديسمبر، 2012

شكر لعائلة السديراوي

بعض الصور لعائلة السديراوي في الهند إلى جانب بعض التجار العرب

أحب أن أشكر عائلة السديراوي وأخص بالذكر الأستاذ غازي بن فهد بن محمد بن سالم السديراوي ونجله الأخ العزيز محمد من دولة الكويت الشقيقة على ما قدموه من إهداء مجموعة كبيرة من الوثائق النادرة والتي هي عبارة عن مراسلات بين جد العائلة محمد سالم السديراوي وبين عدد كبير من تجار البحرين من أمثال: عبدالعزيز القصيبي، وأحمد سلمان كيكسو، وغيرهم العديد من التجار. كما وأني أحب أن أشد على يدهم لما عانوه في جمع هذه الوثائق وحفظها وتصويرها وهذا هو المرجو من العائلات الكويتية التجارية والتي لها باع طويل في التجارة لأكثر من مائة عام فجزاهم الله خيراً وبارك في جهودهم.

الأربعاء، 5 ديسمبر، 2012

تدشين معجم المؤلفين البحرينيين 1900-2011م

أكد سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة رئيس مجلس أمناء مركز عيسى الثقافي مكانة البحرين العريقة في الساحة الثقافية المحلية والعالمية لما تتمتع به من إمكانيات مشهودة وعطاء فكري متواصل قادر على إثراء المجتمعات معرفياً.


جاء ذلك خلال تدشين سموه لمعجم المؤلفين البحرينيين 1900-2011م الذي يعد الأول من نوعه في تاريخ الثقافة البحرينية المعاصرة، ليوثق سير المؤلفين البحرينيين ونتاجاتهم الفكرية، وإبراز جهودهم الثقافية والعلمية والبحثية منذ بداية القرن الماضي حتى 2011م، وخصوصا أن التدشين يأتي مواكباً لاستعدادات المملكة للاحتفال بالعيد الوطني المجيد، وفعاليات المنامة عاصمة الثقافة العربية 2012م.

وصرح د. منصور سرحان مدير المكتبة الوطنية بمركز عيسى الثقافي ومعد المعجم في كلمته بأن البحرين تشهد في ظل قيادة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة عاهل البلاد المفدى ومن خلال مشروع جلالته الإصلاحي ازدهاراً كبيراً في النتاج الفكري المحلي؛ حيث بلغ عدد عناوين الكتب التي صدرت في عهد جلالته - وبالتحديد في الفترة من شهر مارس عام 1999م وحتى نهاية شهر ديسمبر من عام 2011م - 1750 عنوان كتاب، مقارنةً بصدور 1502 عنوان كتاب فقط طوال مائة عام أي من بداية عام 1900م إلى شهر فبراير من عام 1999م، مما جعل المنامة تستحق بجدارة في عهد جلالته الزاهر عاصمة الثقافة العربية.

وأوضح سرحان أن آليات التوثيق اعتمدت على سرد مؤهلات المؤلفين، ومجال توجهاتهم الكتابية، وسير حياتهم، وما حصدوه من جوائز وأوسمة وتكريم، مع ذكر مؤلفاتهم وفق تسلسل صدورها الزمني؛ حيث بلغ عدد المؤلفين 315 شخصية بحرينية، كما بلغ عدد عناوين الكتب التي ضمها المعجم زهاء ألفي عنوان غطت مواضيع وحقولا معرفية مختلفة، بهدف اطلاع الأجيال الحالية والقادمة على المعلومات والبيانات عن كل مؤلف، ولابراز دور البحرين الريادي في الانتاج المعرفي، وتشجيعاً لهم على الإبداع الثقافي والفكري على جميع الأصعدة.

وتقدم معدّ المعجم بالشكر والعرفان إلى سمو الشيخ عبدالله بن خالد آل خليفة رئيس مجلس أمناء مركز عيسى الثقافي على الدعم والتشجيع المستمر خلال إعداد المعجم، وإثرائه بأفكار كان لها الأثر في جعل المعجم أكثر توثيقاً وغنى. كما شكر سرحان الد. محمد جابر الأنصاري مستشار جلالة الملك للشئون العلمية والثقافية نائب رئيس مجلس أمناء مركز عيسى الثقافي على تقديمه الرؤى والأفكار المتعلقة بمنهجية المعجم والبيانات المطلوب توثيقها، مقدراً مباركة أعضاء مجلس أمناء مركز عيسى الثقافي لإصدار المعجم، وجهود كل منتسبي مركز عيسى الثقافي وعلى رأسهم المدير التنفيذي د. خلدون أباحسين التي سهلت إعداد المعجم بالشكل المخطط له طوال العشرة الأشهر من العمل المتواصل.

ويأتي هذا التدشين ليؤكد مساعي مركز عيسى الثقافي نحو تحقيق الرؤى الملكية نحو توفير مصادر المعرفة لفائدة جمهور القراء والباحثين، بما يسهم في التعريف بثقافة البحرين وتاريخها الحضاري العريق والتشجيع على الابداع الفكري والثقافي.