الثلاثاء، 28 سبتمبر 2010

في‮ ‬دراسة ترصد وضع البلاد مع بداية حكم آل خليفة بقلم أحمد خليفة البنعلي

يزخر تاريخ البحرين عبر القرون بالكثير من الأحداث التي‮ ‬عززت موقفها كمركز تجارى هام في‮ ‬الخليج العربي‮. ‬فالبحرين بصغر مساحتها كانت منطقة مهمة في‮ ‬الخليج لمزاولة الأنشطة التجارية بسبب وجود مغاصات اللؤلؤ فيها وبساتين النخيل والعيون الطبيعية وغيرها من الموارد الطبيعية التي‮ ‬بها جذبت الكثير من الناس للمجيء إليها بسبب موقعها الإستراتيجي‮ ‬سواء بغرض التجارة أو السكن،‮ ‬وخصوصاً‮ ‬في‮ ‬القرن التاسع عشر الميلادي،‮ ‬بعد تولي‮ ‬عائلة آل خليفة مقاليد الحكم في‮ ‬البلاد‮. ‬
ستوضح هذه الدراسة مراكز الاستيطان التي‮ ‬كانت قائمة في‮ ‬بداية حكم آل خليفة حفظهم الله للبحرين منذ النصف الأول من القرن التاسع عشر إلى مطلع القرن العشرين،‮ ‬لكي‮ ‬تكتمل الصورة في‮ ‬معرفة أين كانت تتركز المراكز السكنية في‮ ‬تلك الفترة الزمنية‮. ‬وأيضاً‮ ‬كيف تحولت مناطق زراعية اشتهرت بالعيون الطبيعية والنخيل إلى مناطق سكنية في‮ ‬يومنا هذا،‮ ‬لإزالة الشك من البعض الذين‮ ‬يعتقدون ويدعون دون أي‮ ‬دليل‮ ‬يسند كلامهم بأن المناطق السكنية في‮ ‬يومنا هذا كان نفسه قائماً‮ ‬في‮ ‬قديم الزمان‮.‬
توضيح المناطق السكنية في‮ ‬بداية حكم آل خليفة للبحرين وفقاً‮ ‬لخريطة البحرين لعام‮ ‬1825‮ ‬
المرفق خريطة لجزيرة البحرين من إعداد القبطان جورج بروكس قائد الأسطول الهندي‮ ‬في‮ ‬الخليج‮ ‬1825‮ ‬وهي‮ ‬جزء من الاستبيان الرسمي‮ ‬الأول للخليج،‮ ‬وقد قام القبطان بروكس بزيارة للبحرين حيث رسم خارطتها مع تحديد المناطق المأهولة بالسكان والزراعية حسب ما رآه خلال زيارته للجزيرة،‮ ‬ويظهر على جهة اليمين من الخارطة صورة لمسجد الخميس‮.‬
وتوضح هذه الخريطة المناطق المأهولة بكثافة سكانية باللون الأسود بالكامل وهم المنامة والمحرق والبسيتين والحد والبديع وأم الصمّان‮ ‬
والزلاق وجو وقلعة الرفاع،‮ ‬والمناطق التي‮ ‬توجد فيها هضبة أو تلة مشارة باللون الأسود مع نقطة بيضاء،‮ ‬وأما المناطق الباقية فكانت مجرد مناطق زراعية مملوءة بأشجار النخيل والبساتين وتعود ملكية أغلب هذه البساتين إلى القبائل العربية السنية بما فيهم العائلة الحاكمة في‮ ‬البحرين‮.‬
وقد ذكر القبطان جورج بروكس من وصف لجزيرة البحرين عام‮ ‬1825م التالي‮: ''‬جزيرة البحرين أو أوال،‮ ‬محيطها بين الثمانين والتسعين ميل،‮ ‬وتقريباً‮ ‬خُمسها‮ ‬غنية بمياهها،‮ ‬ومأهولة بالسكان على نحو كثيف،‮ ‬ومزروعة جزئياً،‮ ‬وما تبقى من مساحتها فهي‮ ‬إما تلال أو صحراء متساويان تقريباً‮''.‬
وفي‮ ‬تقرير آخر له عن البحرين مؤرخ في‮ ‬27‮ ‬أغسطس‮ ‬1840‮ ‬قال القبطان بروكس بأنه عندما زار البحرين للمرة الأولى وقام بعملية المسح فيها في‮ ‬عام‮ ‬1825م كان عدد سكان البحرين ثمانية وأربعون ألف نسمة‮. ‬
‮(‬1‮) ‬جزيرة المحرق
هذه خريطة جزيرة المحرق والمناطق المأهولة بالسكان هي‮ ‬مدينة المحرق التي‮ ‬تقع جنوب‮ ‬غرب جزيرة المحرق داخل سور المحرق المكون من خمسة أبراج لحماية المدينة كما هو مبين ومدينة البسيتين التي‮ ‬تقع شمال‮ ‬غرب مدينة المحرق ومدينة الحد التي‮ ‬تقع جنوب شرق جزيرة المحرق‮. ‬وبعد أن أسقطوا حكم آل مذكور بالبحرين في‮ ‬23‮ ‬يوليو‮ ‬1783‮ ‬انتقل العتوب للسكن من مدينة الزبارة بشمال‮ ‬غرب شبه جزيرة قطر إلى جزيرة المحرق من جزر البحرين‮. ‬وقد ذكر القبطان بروكس في‮ ‬عام‮ ‬1825‮ ‬بأن الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة حاكم البحرين آنذاك‮ ‬يسكن في‮ ‬المحرق‮ ‬‭(‬Maharag‭)‬‮ ‬وهي‮ ‬مدينة كبيرة‮ ‬يقطنها حوالي‮ ‬ستة آلاف نسمة،‮ ‬وهناك سور مهدم حول المدينة،‮ ‬أما جزيرة المحرق ككل فتحتوي‮ ‬على سبعة آلاف وخمسة مائة نسمة‮.‬
ويؤكد القبطان بروكس بأن القلاع الموجودة في‮ ‬جزيرة المحرق هي‮ ‬قلعة في‮ ‬المحرق التي‮ ‬تقع على رأس رملي‮ ‬وتحتوي‮ ‬على ستة أو ثمانية مدافع حيث تقود القلعة القناة،‮ ‬وقلعتان أخريان إحداهما في‮ ‬عراد‮ ‬‭(‬Arad‭)‬‮ ‬والأخرى في‮ ‬سماهيج‮. ‬وتظهر القلاع التي‮ ‬ذكرها القبطان بروكس واضحة في‮ ‬الخريطة أعلاه بالإشارات السوداء على شكل‮ ‬‭(‬x‭)‬‮ ‬كإشارة لقلعة المحرق‮ (‬قلعة بوماهر‮) ‬التي‮ ‬تقع جنوب مدينة المحرق وقلعة عراد التي‮ ‬تقع شرق مدينة المحرق،‮ ‬أما قلعة سماهيج فتظهر بالإشارة‮ (+) ‬حيث إنها مطلة على الساحل الشمالي‮ ‬لجزيرة المحرق‮. ‬وقد ذكر القبطان بروكس بأنه‮ ‬يوجد جبهة واسعة من بستان بأشجار النخيل في‮ ‬سماهيج حيث أنهم آخذون في‮ ‬الارتفاع بشكل حاد مع جبهة عريضة مسطحة أو مدورة وتسمى جبهة عراد وهي‮ ‬عبارة عن بستان لأشجار النخيل التي‮ ‬تشكل جبهة واسعة بالقرب من الرأس،‮ ‬وهناك قلعة صغيرة على تلة قريبة منه‮.‬
‮(‬2‮) ‬مدينة المنامة والمناطق المجاورة وشمال البحرين والبديع
أما مدينة المنامة فقد وصفها القبطان بروكس بأنها ميناء الجزيرة وتعتبر المدينة الأساسية في‮ ‬البحرين حيث‮ ‬يسكنها أغلب التجار أو تتواجد قوافلهم هناك،‮ ‬وإن أغلب الواردات تنزل هناك وقد تم فرض ضريبة في‮ ‬عام‮ ‬1826‮ ‬قدرها‮ ‬5٪‮ ‬على المنتجات الهندية وأغلب السلع التي‮ ‬تأتي‮ ‬من ساحل فارس والبصرة ومسقط‮. ‬وتبين الخريطة في‮ ‬الأعلى بأن مدينة المنامة مأهولة بالكثير من السكان‮. ‬وتظهر في‮ ‬الخارطة أعلاه أيضاً‮ ‬قلعة الديوان‮ (‬مقر وزارة الداخلية حالياً‮) ‬جنوب‮ ‬غرب مدينة المنامة وقلعة البرتغال‮ ‬‭(‬Portuguese Fort‭)‬‮ ‬شمال البحرين بالشكل‮ (+) ‬حيث تظهر في‮ ‬الجهة الشمالية الغربية للقلعة عدة صخور حيث تشير الخارطة بوجود قاعدة برج للمراقبة تابعة للبرتغاليين‮ (‬قديماً‮) ‬عليها،‮ ‬
‭(‬Lighthouse Rock of the Portuguese‭)‬،‮ ‬ويقع البرج على الجانب الغربي‮ ‬من فتحة القناة التابعة لقلعة البحرين والمحفورة في‮ ‬الشعب المرجانية،‮ ‬حيث كانت في‮ ‬الأصل للسيطرة على مدخل القناة،‮ ‬وكانت مبنية من أحجار مربعة‮ ‬يبلغ‮ ‬مقاسها تسعة أمتار من كل جانب‮. ‬كما توجد قلعة أخرى بالشكل‭(‬X‭)‬‮ ‬بين البديع والدراز ولعل موقعها اليوم بالقرب من مركز شرطة البديع حالياً‮ ‬والله تعالى أعلى وأعلم‮. ‬كما تظهر في‮ ‬الخريطة ثلاثة عيون كبيرة وهم عين عذاري‮ ‬وعين قصاري‮ ‬الكبرى والصغرى،‮ ‬واكتفى بالقبطان بروكس بالإشارة إلى العيون الكبيرة بدلاً‮ ‬من العيون الصغيرة التي‮ ‬كانت منتشرة في‮ ‬البحرين في‮ ‬الكثير من المناطق،‮ ‬وكما تظهر كلمة‮ ‬‭(‬Mosque‭)‬‮ ‬والتي‮ ‬ترمز إلى مسجد الخميس‮. ‬أما باقي‮ ‬المناطق في‮ ‬الجهة الشمالية وجنوب المنامة إلى الجهة الغربية الشمالية فكانت مجرد مزارع للنخيل كما تبين كلمة‮ ‬‭(‬Garden‭)‬‮ ‬على الخريطة والتي‮ ‬تؤكد ذلك من دون شك،‮ ‬وفي‮ ‬جهة الغرب تظهر مدينة البديع مأهولة بالسكان‮. ‬وقد ذكر القبطان بروكس بأن القلاع الموجودة على جزيرة البحرين‮ (‬الجزيرة الأم‮) ‬هم الرفاع التي‮ ‬تبعد سبعة أميال عن المنامة وتقريباً‮ ‬خمسين قلعة أخرى مع عدة أبراج في‮ ‬مناطق مختلفة،‮ ‬إن أفضل الدفاعات هي‮ ‬تلك التي‮ ‬توفرها الطبيعة في‮ ‬سلسلة الصخور بالقرب من سطح الماء والتي‮ ‬تحيط الجزر حيث إن خمسة مائة من الرجال العازمون قد‮ ‬يعارضوا نزول عدة آلاف‮ (‬من الغزاة والمحتلين‮). ‬وتظهر الجفير وأم الحصم والماحوز بأنها مليئة بأشجار النخيل‮.‬
‮(‬3‮) ‬الرفاع وساحل خليج توبلي‮ ‬وجزيرة سترة
تظهر الرفاع الشرقي‮ ‬بأنها مأهولة بالسكن عكس الرفاع الغربي‮ ‬ويؤكد ذلك القبطان بروكس حيث ذكر بأن الرفاع‮ ‬‭(‬Ruffan‭)‬‮ ‬التي‮ ‬تقع على جبل ببعد سبعة أميال من مدينة المنامة تتكون من قلعة مربعة محاطة بالمساكن تابعة لأتباع الشيخ،‮ ‬وإنها مقر الشيخ خليفة بن سلمان بن أحمد بن محمد آل خليفة شريك عمه الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة في‮ ‬الحكم آنذاك‮. ‬أما المناطق الأخرى في‮ ‬الخريطة التي‮ ‬في‮ ‬الأعلى مثل جزيرة سترة فكانت مزارع للنخيل وتبين فيها عين عبدان أيضاً‮ ‬حيث وصفها القبطان بروكس بأنها مياه عذبة‮ ‬‭(‬Fresh Water‭)‬،‮ ‬أما المناطق المطلة على خليج توبلي‮ ‬من الجهتين فكانت أيضاً‮ ‬مزارع للنخيل‮. ‬ويظهر في‮ ‬جهة جنوب شرق الخريطة أعلاه قلعة بالشكل‭(‬X‭) ‬‮ ‬جنوب قرية الفارسية الزراعية وشمال منطقة رأس زويد‮. ‬
‮ ‬عمد عبدالجليل الطبطبائي‮ ‬في‮ ‬رحلته الساحلية حول البحرين التي‮ ‬استغرقت أسبوعين تقريباً‮ ‬إلى تسجيل معالم وجزئياتها في‮ ‬أرجوزة تتكون من واحد وثمانين ومائة بيت وسماها‮ ''‬نزهة الجليس في‮ ‬وصف الديار‮''‬،‮ ‬ونزع فيها منزعاً‮ ‬توثيقاً‮ ‬رصد فيه كل ما رآه من مشاهد طبيعية وظواهر بيئية‮. ‬وقد بدأت رحلته حسب ما حدده في‮ ‬أبياته في‮ ‬صباح‮ ‬يوم الخميس في‮ ‬منتصف شهر رجب عام‮ ‬1241هـ الموافق الثالث والعشرين من شهر فبراير عام‮ ‬1826م‮. ‬وقد رفقه في‮ ‬هذه الرحلة عدد من الرجال حيث ملاح بلاغتهم وفصاحة لسانهم وأثنى على عراقة نسبهم وحسن سجاياهم وخصوصاً‮ ‬صفة التآلف والإيثار‮. ‬فالفرق بين رحلة عبدالجليل الطبطبائي‮ ‬والقبطان بروكس سنة واحدة وهناك تشابه تام ليس لجزيرة سترة فحسب وإنما أيضاً‮ ‬للعقارية وقرى الساحل الغربي‮ ‬كما سيأتي‮ ‬فيما بعد‮. ‬حيث لم‮ ‬يذكر الطبطبائي‮ ‬مثل بروكس بأن هناك كثافة سكانية في‮ ‬سترة،‮ ‬وإنما وصف أهم ميزتين في‮ ‬جزيرة سترة وهي‮ ‬كثيرة النخيل والمياه المتدفقة بحكم‮ ‬غنى هذه الجزيرة بالأشجار المثمرة‮. ‬ففي‮ ‬محطته الأولى أخذ الطبطبائي‮ ‬في‮ ‬رسم ملامح المكان والزمان بواسطة آليتي‮ ‬السرد الوصف حيث قال‮:‬
سرنا على اسم الله في‮ ‬مجراهما
كذلك باسمه لدى مرساهما
حتى قدمنا باعتجال ستره
والله مسبل علينا ستره
ترى بها النخيل باسقاتِ‮ ‬
من كل نوع لذ للجنات
فيها‮ ‬ينابيع المياه قد جرت
في‮ ‬برها وبحرها تفجرت
فمذ نزلناها ضُحى النهار
في‮ ‬دار بخاخِ‮ ‬بلا استقرار
أقبل دعبل بما نحتاج له
من حطب النخل وذاك ناقله
توجه الركب المبحر بعد ذلك إلى جزيرة مجاورة لسترة وهي‮ ‬جزيرة النبيه صالح،‮ ‬ولم‮ ‬يعرض لذكرها ربما لاشتراك الجزيرتين في‮ ‬المزايا نفسها،‮ ‬واكتفى باعتبار زيارتهم لها مغنماً‮ ‬أصابوه حيث قال‮ ''‬ومذ‮ ‬غنما نزهة الجزيرة‮...'' ‬والغنم هو الفوز بالشيء من‮ ‬غير مشقة‮. ‬وفي‮ ‬التعبير دلالة على ما حققوه من متعة،‮ ‬نظراً‮ ‬لما تتمتع به جزيرة النبيه صالح من سحر وجمال،‮ ‬واستخدام الطبطبائي‮ ‬الاسم المختصر والدارج لها‮ ''‬الجزيرة‮''. ‬
‮(‬4‮) ‬عسكر
تظهر منطقة عسكر كمنطقة قاحلة‮ ‬غير مأهولة بالسكان مع وجود تلة أو هضبة جنوبيها في‮ ‬منطقة رأس حيان والله أعلم‮. ‬كما تظهر أيضاً‮ ‬جزيرة الشيخ إبراهيم وجزر أخرى‮ ‬غرب الجزيرة‮. ‬
‮(‬5‮) ‬مدينة جو
يقول القبطان جورج بروكس بأنه توجد في‮ ‬الجهة الشرقية من البحرين أطلال لمدينة كبيرة‮ ‬‭(‬Large Town Ruins‭)‬‮ ‬أسمها جو‮ ‬‭(‬Jow‭)‬‮ ‬وهي‮ ‬المقر القديم لشيوخ آل خليفة وقد أخليت من سكانها منذ عام‮ ‬1800‮ ‬بسبب الحاجة إلى ميناء آمن،‮ ‬وانتقل السكان إلى المحرق‮. ‬وتبين الخريطة أعلاه بأن مدينة جو كانت آنذاك أكبر حجماً‮ ‬من مدينة جو الحالية ويبدو إنها كانت مأهولة بالكثير من السكان‮. ‬ويقول اللوتيننت أ.ب‮. ‬كمبل مساعد المقيم السياسي‮ ‬في‮ ‬الخليج في‮ ‬تقريره الذي‮ ‬سلمه إلى الحكومة في‮ ‬6‮ ‬يناير‮ ‬1845‮ ‬بأن المدن الوحيدة التي‮ ‬هي‮ ‬من نفس الحجم هم المنامة والمحرق وهناك مدينتان أصغر منهما وهم الرفاع وجو‮. ‬
وفي‮ ‬المحطة الثانية لرحلته وصل عبدالجليل الطبطبائي‮ ‬إلى مدينة جو،‮ ‬حيث وصف المدينة من ناحية الجانب السياسي‮ ‬والاجتماعي‮ ‬لها وديارها الخالية والسكان الراحلين وأسباب الرحيل مع المقارنة بين والوضعين ومدح أولئك المغادرين معولاً‮ ‬على آليتي‮ ‬السرد والوصف حيث قال‮:‬
ومذ‮ ‬غنما نزهة الجزيرة
سرنا إلى جو بحسن سيره
المنزل الذي‮ ‬عفت رسومه
مذ أفلت من أفقه نجومه
من بعد ما كان محط الرحل
يلقى بها الطارق خير أهل
ومعقل الوفود والضيوف
ومأمن الطريد والمخوف
يزينه‮ ‬غر به سكان
هم الحماة الصيد والشجعان
من كل فاضلٍ‮ ‬نقي‮ ‬العرض
أشم‮ ‬غطريفٍ‮ ‬جوادٍ‮ ‬مُرضي
لقد استخدم الناظم مؤشرٍاً‮ ‬زمانياً‮ ‬مكانياً‮ ‬للدلالة على حالة الانتقال‮ ''‬ومذ‮ ‬غنمنا‮...''‬،‮ ‬وعرضت الأبيات وصفاً‮ ‬للمنازل الخاوية،‮ ‬مشوباً‮ ‬برنة من الحزن والأسى،‮ ‬كما ضمنها إشارة إلى الشيخ أحمد بن رزق،‮ ‬الشخصية المرموقة آنذاك والمتوفى في‮ ‬1224هـ‮/‬1809م،‮ ‬وقد انتقل الشيخ أحمد بن محمد بن رزق‮ ‬يرافقه الشيخ سلمان بن أحمد بن محمد آل خليفة وأهل الزبارة من مدينة الزبارة إلى مدينة جو على الساحل الشرقي‮ ‬للبحرين في‮ ‬عام‮ ‬1799م،‮ ‬وأنشأ بها مساجد وبركاً‮ ‬عظيمة لخزن المياه‮ ‬غاية في‮ ‬القوة والإحكام،‮ ‬كما شيد بها قصوراً‮ ‬شامخة،‮ ‬ثم نزح عنها إلى البصرة في‮ ‬عام‮ ‬1801م بعد احتلال سلطان عمان للبحرين‮. ‬
وتمثل الطبطبائي‮ ‬كل هذه الأحداث وهو‮ ‬ينظم أبياته،‮ ‬كما ضمنها ثناء أشاد فيه بأخلاق أهلها،‮ ‬وما تحلوا به من كرم وعفة ونقاء سريرة وشجاعة وإباء،‮ ‬ووقف موقفاً‮ ‬مغايراً‮ ‬من صنف آخر من أهل جو ووسمهم بالخيانة وذمهم وعلل ما أصابهم من تمزق بغدرهم وقلة وفائهم،‮ ‬وما نجم عن ذلك من رحيل زعمائهم وأخيارهم حيث قال‮:‬
قضى عليها الدهر بالخراب
حتى‮ ‬غدت مساكن الضباب
وذاك أمر الله حيث أحكمه
بدا بأهلها اختلاف الكلمه
وبعض أهليها نحى الخيانه
بغياً‮ ‬بلا جرمٍ‮ ‬ولا امتهانه
وقد أشار عبدالجليل الطبطبائي‮ ‬إلى الأطلال الموجودة في‮ ‬جو كما وصفها القبطان بروكس بأنها أطلال لمدينة كبيرة،‮ ‬حيث قال الطبطبائي‮ ‬التالي‮ ‬عن تلك الأطلال‮:‬
دار لربات الحجال الخرد
من كل هيفاءِ‮ ‬بقدً‮ ‬أميد
ذات اللمى المعسول والثغر الشنب
وعقربٍ‮ ‬الصدغ‮ ‬لمضناها تدب
ترسل من شعورها أفاعيا
تنهش قلب الصب وهي‮ ‬ما هيا
فأصبحت أطلالها تسائل
أين الدمى وهاتك الخلاخل؟
‮(‬6‮) ‬الساحل الغربي‮ ‬للبحرين
يظهر الساحل الغربي‮ ‬للبحرين بأنه مليء بأشجار النخيل،‮ ‬وكما تظهر أيضاً‮ ‬قلعتان على شكل‭(‬X‭)‬‮ ‬واحدة في‮ ‬الجسرة والأخرى في‮ ‬صدد حيث‮ ‬يصف القبطان بروكس إسمها‮ ''‬صدو بوقاشي‮'' ‬‭(‬Sadoo Boo Gafhy‭)‬‮ ‬أي‮ ‬صدد بقيشي&#

ماذا فعلت‮ بهم ‬يا ابن البنعلي بقلم هشام الزياني

مع كل هذه النداءات والهتافات،‮ ‬ولست مع مقولة‮ ''‬اكذب‮.. ‬اكذب حتى‮ ‬يصدقوك‮''‬،‮ ‬ولست مع الأصوات النشاز التي‮ ‬تردد مقولة السكان الأصليين أو تقسيم الناس بحسب الأمزجة والأهواء،‮ ‬فالتاريخ لا‮ ‬يكتب بالأمنيات ولا بالأهواء ولا بالكذب،‮ ‬بينما بكشف حساب تاريخي،‮ ‬لكن‮ ‬يكون في‮ ‬صالح من‮ ‬يدعي‮ ‬ذلك كاذباً‮ ‬أن تفضح الأمور وتكشف الوثائق ويزال اللثام عن المسكوت عنه،‮ ‬ليس لشيء سوى أننا نبتعد عن الدخول في‮ ‬متاهة الأصلي،‮ ‬والمزيف،‮ ‬وابن البلد،‮ ‬والقادم من الخارج،‮ ‬وجنسية أصلية،‮ ‬وجنسية بالاكتساب،‮ ‬ومزارعين سابقين،‮ ‬وأبناء حضر،‮ ‬وتجار لؤلؤ أصحاب تجارة‮.‬
تلك دعوة مقيتة الآن،‮ ‬لكن إن كان من‮ ‬يدعي‮ ‬أنه من الأصليين،‮ ‬أو كذبوا عليه وأخذ‮ ‬يردد بصوت عالٍ‮ ‬كما‮ ‬يحدث كل شيء اليوم بالبحرين،‮ ‬وهو خذوهم بالصوت والقوة ولي‮ ‬الذراع،‮ ‬حتى مع ذلك لن‮ ‬يتغير التاريخ،‮ ‬ولن تتبدل الوثائق التي‮ ‬حتى وإن زيفت الكتب،‮ ‬أو دلست،‮ ‬أو تم شطب حقائق،‮ ‬لن‮ ‬يجدي‮ ‬نفعاً‮ ‬ذلك‮.‬
إن ما قدمه الباحث أحمد خليفة أحمد البنعلي‮ ‬على صفحات الوطن من دراسة علمية توثيقية تاريخية بالمعلومة والحقائق والمراجع العربية والأجنبية أصاب البعض بحومة بطن،‮ ‬وأصاب من‮ ‬يدعي‮ ‬أنه الأصلي‮ ‬بحالة هي‮ ‬أقل من الجنون،‮ ‬وأعلى من الهستيريا،‮ ‬حتى أخذ‮ ‬يفقد صوابه،‮ ‬ويفقد لباقة الكلام التي‮ ‬من المفترض أن تكون متوفرة لدى من‮ ‬يريد أن‮ ‬يقنع‮.‬
ثم أنه ذهب إلى أمثال أهل المحرق ليستشهد بها‮. ‬كانت حالتهم مزرية مضحكة،‮ ‬حتى إن هذه الدراسة التاريخية جعلت بعض الأعمدة تكتب بحالة من العصبية والنرفزة وفقدان الصواب الواضحة في‮ ‬لغة المقال‮.‬
ماذا فعلت بهم‮ ‬يا ابن البنعلي،‮ ‬أحسبك تمتلك الكثير لتطرحه،‮ ‬والبحرين وأهل البحرين الشرفاء،‮ ‬والجيل الحديث بحاجة إلى هذه الحقائق التاريخية الموثقة والتي‮ ‬تكشف حقائق من‮ ‬يروجون للكذب،‮ ‬أو من امتهنوا الكذب،‮ ‬حتى صاروا أنفسهم لا‮ ‬يعرفون أنفسهم هل ما‮ ‬يقولونه الآن هو كذب‮.. ‬أم حقيقة،‮ ‬ضاعت الحقيقة وسط الكذب المقنع‮.‬
الدراسة التي‮ ‬نشرتها الوطن هي‮ ‬أقدم خارطة بريطانية لجزر البحرين قام برسمها قائد السفينة الحربية لشركة الهند الشرقية القبطان جورج بروكس في‮ ‬العام‮ ‬1825م،‮ ‬وكانت توضح بجلاء وبرسم موثق المناطق المأهولة بالسكان إذ ذاك وهي‮ ‬9‮ ‬مناطق،‮ ‬ولا‮ ‬يوجد سند تاريخي‮ ‬لترويج أن القرى كانت‮ ‬330‮ ‬قرية كما هو في‮ ‬البحث والدارسة،‮ ‬مما‮ ‬يؤكد أن هناك من‮ ‬يحاول جاهداً‮ ‬ممارسة الكذب الطفولي‮..!‬
لا نريد أن ندخل في‮ ‬أمور ضيقة ونفرز الناس،‮ ‬لكن ماذا تعمل مع من‮ ‬يمارس الكذب،‮ ‬لابد من إسكاته بالحقائق والوثائق والمراجع العلمية،‮ ‬حتى‮ ‬يصمت،‮ ‬كانت رسالة ملك إسبانيا والبرتغال في‮ ‬القرن الـ17‮ ‬إلى نائبه تقول إن‮ ‬غالبية أهل البحرين‮ ‬يدينون بالمذهب السني،‮ ‬مبني‮ ‬على أن أهل البحرين سوف‮ ‬يتعاطفون مع الحكم العثماني‮ ‬ويقبلونه،‮ ‬أكثر من الحكم الفارسي،‮ ‬من هنا كان هذا التقسيم مهماً‮ ‬للمستعمر الأجنبي‮ ‬حتى‮ ‬يعرف طبيعة البلد والتوازنات‮.‬
ما أحدثته دراسة الباحث أحمد البنعلي‮ ‬جعلت البعض‮ ‬يترنح،‮ ‬ولا‮ ‬يعرف الشرق من الجبلة،‮ ‬مع تمنياني‮ ‬أنه‮ ‬يعرف الجبلة الحقيقية،‮ ‬وليس جبلة شرق،‮ ‬فتعرف ما فعلته الدراسة من حالة فقدان التوازن لمن لا‮ ‬يريد للحقائق أن تظهر،‮ ‬أو أنه‮ ‬يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض‮.‬
من‮ ‬يمارس الكذب التاريخي‮ ‬عليه أن‮ ‬يكف،‮ ‬أو أنه سيلقى رداً‮ ‬علمياً‮ ‬موثقاً‮ ‬يرده ويصمته

السبت، 25 سبتمبر 2010

صدر كتاب مطالع السعود لعثمان بن سند

وهو أهم كتاب أجده في معرض كتاب الأيام بالمنامة وقد بحثت عنه سنوات طويلة إذ هو يعد في حكم النادر وقد طبع قبل أكثر من مائة عام تقريباً

الأربعاء، 22 سبتمبر 2010

رحلة إلى الرياض في عام 1865م" جديد إصدارات هيئة أبوظبي للثقافة والتراث

وكالة أنباء الشعر / أبو ظبي
صدر عن دار الكتب الوطنية في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث كتاب "رحلة إلى الرياض في عام 1865م" لمؤلفه اللفتنانت كولونيل لويس بيلي، ترجمة وتعليق د.أحمد إيبش، وذلك ضمن سلسلة "رواد المشرق العربي" التي أطلقتها الهيئة في إطار استراتيجيتها لإغناء المكتبة العربية ومكتبة تراث جزيرة العرب، وبما يعكس الاهتمام بتراث الأجداد، والحرص على جمع كافة المصادر المتعلقة بتراث منطقة الخليج العربي والعالم العربي عموما.

وشرح د.إيبش بأن اللفتنانت كولونيل لويس بيلي لم يكن كبقية الرحالين الآخرين، بل كان موفداً سياسياً لبريطانيا في منطقة الخليج العربي في أواخر القرن التاسع عشر. كان ثاني رحّالة بريطاني يزور مدينة الرياض (عام 1865م) بعد الرحالة وليم غيفورد بالغريف (1862م)، وذلك لإقامة علاقات ودية بين بريطانيا والأمير فيصل بن تركي آل سعود، المؤسس الفعلي للدولة السعودية الثانية.

ووفقاً للكتاب، فقد انطلق بيلي من الكويت، وقدّم عنها معلومات مفيدة ومهمة، ثم تابع رحلته برواية ممتعة شائقة عبر صحراء الصّمّان والدّهناء، ودخل عبر نجد مُجتازاً بالعرمة والعارض وصولاً إلى الرياض، التي لم يمكث فيها سوى ثلاثة أيام. وقد جاء في وصفه للأمير فيصل: كان يبدو فوق السبعين من عمره، ويرتدي ثياباً فخمة تنمّ عن ذوق رفيع، ويعتمر ما فوق الكفيّة العربية بعمامة مكوّرة من قماش الكشمير الأخضر، صوته رخيم وكلماته رزينة ومتزنة، وهو رجل وقور ودمث.

وألحق بالكتاب عدد مميز من الصور الفوتوغرافية النادرة لمدينة الرياض في تلك الفترة، إضافة لـ 17 خارطة وملحقاً حول الطبيعة الجغرافية والبيئية للمنطقة، وبعض التقاليد الاجتماعية للبدو، وقائمة بالسلالات المختلفة للخيل العربي في نجد.

يُذكر أن تاريخ الحركة العلمية المختصة بنشر التراث العربي المخطوط يصل مجموعه إلى قرابة 3 ملايين مخطوطة في مكتبات الشرق والغرب. كما ويتوازى ذلك مع الآلاف من نصوص الرحلات النادرة ضمن "أدب رحلات الأوروبيين إلى المشرق العربي"، وكل ذلك في مشروع طموح لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث يهدف إلى نشر أكبر عدد ممكن من مواضيع التراث العربي وتقديمها للقارئ العربي بأرقى مستوى علمي من التحقيق والبحث، وأجمل حلّة فنيّة من جودة الطباعة وتقديم الوثائق والخرائط والصور النادرة.

رحلة إلى الجزيرة العربية سنة 1808

من تأليف: لوي جاك روسو وترجمة، تحقيق: بطرس حداد صدر عن الدار العربية للموسوعات كتاب "رحلة إلى الجزيرة العربية سنة 1808" جاء تعريفا بالكتاب:
من عادة السفراء والقناصل والملحقين بالبعثات الدبلوماسية بعد مكوثهم سنوات عديدة في بلد من البلدان أنهم يكتسبون خبرة عن ذلك البلد، لا بل يتعاطفون معه أحياناً، فيطيب لهم بعد انفكاكهم من عملهم أن يكتبوا ذكرياتهم وانطباعاتهم عن ذلك البلد؛ وكثيراً ما تطلب الجهات الرسمية أو دور النشر منهم إعداد مثل هذه المذكرات لإطلاع القراء والباحثين عن أحوال ذلك البلد. كانت هذه العادة جارية في القرون الماضية، ومازالت مستمرة إلى اليوم؛ وقد عمل بها في العقود الأخيرة بعض العراقيين الذين كانوا في خدمة السلك الدبلوماسي. وهذا الكتاب هو واحد من أعمال القنصل الفرنسي "روسو" الذي خدم في إيران والعراق مدة غير قصيرة. وهو ينتمي إلى أسرة عمل عدد غير قليل من أفرادها في خدمة الدولة من خلال السلك الدبلوماسي في الشرق أكان في إيران أم في العراق أم في حلب (سوريا). هذه الرحلة هي مذكرات طريق، أي ملاحظات سريعة سجلها المؤلف خلال أيام السفر فيها يستشهد بأقوال المؤلفين الأقدمين مثل هيرودوتس وزنيفون وكوينتوس كراسس وغيرهم. ونص رحلته هذا ليس علميّاً أو تاريخيّاً بالمعنى الدقيق، بل هو مذكرات سريعة تستشف في بعض صفحاتها نفس الاستخباراتية، فهو يعد مخططاً لمرور الجيش الفرنسي إلى الهند عبر تركيا وإيران لينافس التغلغل البريطاني في الشرق، وهو يقدم بعض تقاريره لجهات عسكرية قبل إرسالها إلى الجهة المدنية المختصة أي وزارة الشؤون الخارجية.
اهتم المؤلف بالقبائل العربية فذكر أسماء أكثر من مائتي قبيلة وقبيلة، وركز على قبيلتي عنزة وعقيل؛ واهتم روسو أيضاً بالخيول العربية إذ كان معجباً بها فذكر أسماء أشهر السلالات وأنسابها وأعطى وصفاً مختصراً وجميلاً لها.

السبت، 11 سبتمبر 2010

رحلة حمد الجاسر إلى البحرين في عام 1947


أما رحلة اليوم فقد قام بها البحاثة السعودي حمد الجاسر إلى البحرين في عام 1947م ونشرت في كتاب (من سوانح الذكريات) الذي يقع في مجلدين ومجموع صفحاته (1152) صفحة، الكتاب عبارة عن جمع لذكريات الشيخ حمد الجاسر ومذكراته التي نشر معظمها في (المجلة العربية) في ثمان وتسعين حلقة، في الفترة من مارس 1986م، إلى نوفمبر 1996م، أما الشيخ حمد الجاسر فغني عن التعريف فهو من أبرز العلماء والباحثين في السعودية والعالم العربي، وعضو سابق في أكاديميات بغداد ودمشق والقاهرة، عمل في قطاع التعليم، والقضاء، والصحافة والنشر، وأنشأ (اليمامة)، أول صحيفة في الرياض في عام 1952، وتبعتها جريدة (الرياض) في عام 1976 وأخيرا (العرب)، وهي فصلية متخصصة في تاريخ وآداب شبه الجزيرة العربية. أنشأ حمد الجاسر أول دار للطباعة في نجد في عام 1955، وفي عام 1966 أنشأ دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، وتوفي في عام 2000م رحمه الله. يحكي الشيخ حمد الجاسر رحلته إلى البحرين في عام 1947م يقول:


"ومن الأصدقاء الذين مكثوا أياماً في الظهران في تلك الحقبة من الزمن الشيخ عبد الله بن سليمان المزروع وهو رجل لطيف المعشر، إلا أن له تصرفات تبدو غريبة في بعض الأحيان، فبعد أن مكث أسبوعاً متنقلاً بين الأحساء وبين الدمام، أبدى لي رغبته في السفر معاً إلى البحرين، فوافقت بشرط أن يترك لي أمر النزول هناك لأني أدرك كثرة أصدقائه في تلك البلاد وتقديرهم له بحيث توقعت أن يستضيفه أحدهم، وما أشق على نفسي من أن تترك لي حرية الاختيار بما يتعلق في سكني وطعامي، وقد وافق على هذا، ولما وصل بنا الزورق الذي ركبنا فيه من ميناء الخبر إلى رصيف المرفأ في البحرين، إذا بالشيخ حسن بن عبد العزيز العجاجي يستقبلنا ، ثم يدعونا للركوب معه في سيارته إلى بيته، ولما أبديت لصاحبي تأثري من تصرفه صار يكرر كلمة الله يهديك الله يهديك بيت الشيخ حسن أوسع من كل فنادق البحرين!! والشيخ حسن من وجهاء تلك المنطقة، وهو أحد أفراد أسرة آل العجاجي، المعروفة بالثراء العريض في المنطقة كلها، وأثناء نزولنا عنده تم التعارف بيننا وبين إبراهيم العريض الشاعر المشهور، فقد كان يقوم بتعليم أبناء الشيخ حسن اللغة الإنجليزية، وكان موظفاً في شركة نفط البحرين.


وفي أحد الأيام قال لي صاحبي: لقد اهتديت إلى مكتبة عظيمة، توارثتها أسرة من أغنى الأسر، وفيها مخطوطات، وقد اتفقت مع صاحبها على أن أقوم أنا وأنت بزيارتها عند الساعة الرابعة صباحاً بالتوقيت الغروبي، وستحضر إلينا سيارة تقلنا من البيت إلى مقر المكتبة، فوافقت، وكان الذهاب في الوقت المحدد، ولكنني استغربت حين دخلت بنا السيارة في فناء قصر كبير فخم، رأينا في مدخله عدداً غير قليل من الرجال الذين يبدو من مظهرهم أنهم من الجند، وبعد أن علم بنا أحدهم أفسح للسيارة الطريق حتى اجتازت الفناء وبلغنا باباً داخلياً فنزلنا منها، وصعد بنا إلى الدور الأول، فإذا مجلس واسع، فيه أناس جالسون على الأرائك، وآخرون على الأرض، فاتضح لي أنه مجلس أمير، ولم نفتأ إلا بالشيخ سلمان بن حمد بن عيسى آل خليفة حاكم البلاد يدخل ويتصدر المجلس بعد السلام وبعد أن قدمت أنا وصاحبي له، فكان سؤال عن الحال، واستيضاح عن مكان القدوم، فأجبت بأنه الظهران، فعلق ذلك قائلاً: الظهران يبل وهو مكان النفط، وعندنا يبل مثله اسمه الدخان وفيه مقر النفط. فعلقت على هذا بأن الصلات بيننا وبينكم طال عمركم في كل جانب من جوانب الحياة، فأنتم انتقلتم من الأفلاج من نجد فقال: صحيح صحيح الشيخ محمد وهو مؤرخ لديه معرفة في ذلك، وبعد برهة من الوقت كان الانصراف، وكانت زيارة في المساء للشيخ محمد بن خليفة برغبة مني، واستحسان من مضيفنا، وقد أعجبني في هذا الرجل كثرة محفوظه من الشعر الفصيح والعامي، وعنايته بما يتعلق بتاريخ هذه البلاد، ويعد حجة فيما يتعلق منه بالأسرة الخليفية، ومن محفوظه أكثر ما قاله الشعراء في مدحها، وقد رجعت إليه حين رغب مني الأخ سعد بن رويشد الإشراف على نشر ديوان ابن عثيمين، في تلقي إحدى قصائده من إملائه وكان يصطاف في بحمدون في لبنان.


وفي صباح أحد الأيام قال لي صاحبي: ما رأيك يا أبا مي أن تفك الريق بمراصيع وتمر ولبن وزبد بقر. وصار يكرر كلمة زبد زبد! ويمثل بيديه مجموعتين كالكرة، للتدليل على عظمه، فابتسمت وأبديت بأن مضيفنا الكريم، وكان حاضراً سيقدم لنا ما نختار، ولكن حسناً نفسه أضاف: لقد اتصل بي سعد الشملان يدعوكما، وأرجو أن تستجيبا لدعوته للغداء في هذا اليوم، وعندنا مثل من فطر غدى، ولهذا فقد بعث لكما سيارته للذهاب إلى بيته في إحدى ضواحي المدينة، فكان الذهاب إليه، ويقع على مقربة من عين مشهورة في جزيرة البحرين تدعى عذاري، وهي حين شاهدناها أشبه ببحيرة مستديرة، يقارب قطرها عشرة أمتار، وكانت المياه منها قديماً تجري إلى ما حولها من الحدائق والبساتين، بحيث كان الموقع من متنزهات البحرين المشهورة، ولكن ماءها ضعف، وقد علمت فيما بعد بأنها ردمت بسبب ما كان يخشى من تلويث المنطقة بالروائح المنبعثة من مياهها الآسنة، ولما يلقى فيها من أوساخ.


وعرفت لسعد الشملان هذا ابنين أحدهما عبد العزيز، وكان إذ ذاك رئيس نادي العروبة، وكان من أبرز شباب هذه البلاد في حركة التحرر من الاستعمار البريطاني، وله في هذا السبيل دور معروف، وفي البحرين في ذلك العهد ناديان ثقافيان نادي العروبة ونادي البحرين.


والابن الآخر لسعد الشملان عبد اللطيف، وقد درس في مصر في عشر الستين من القرن الماضي، حتى أكمل دراسته في دار العلوم وعمل في الكويت وآخر عهدي به حين كان ملحقاً ثقافياً في لبنان لحكومة الكويت في عشر التسعين من القرن الماضي، وكنت عرفته في القاهرة لصلته ببعض النجديين هناك.


وفي المساء كانت زيارتنا لنادي البحرين، وكان يضم مكتبة تحوي أنواعاً من الكتب الحديثة، التي لم تكن منتشرة في بلادنا، وترد إليه أشهر المجلات التي كانت تصدر في العراق أو سوريا أو مصر، ويرتاده المثقفون لمطالعة ما يرغبون في مطالعته، ويسمح بالإعارة لفترة لا تتجاوز أسبوعاً، وكان ممن عرفت من أولئك الأستاذ علي محمد التاجر، وقد علمت بأن والده من علماء البحرين المعروفين، يقتني مكتبة لا تخلو من مخطوطات قديمة، فذهبت أنا وصاحبي لزيارته في الصباح، فاستقبلنا بحفاوة ولطف، واطلعنا على مؤلف له يتعلق بتراجم أهل البحرين، وهو يقصد المسمى الشامل للبلاد التي تعرف قديماً بهذا الاسم، كما أطلعنا على بعض مخطوطات أخرى أسفنا أننا لن نستطيع الاستفادة منها لقصر وقت إقامتنا في هذه البلاد، ولعدم تمكننا من نقل ما نريد منها.


وفي المساء حين أتينا النادي، أبديت لابنه الأستاذ علي التاجر ارتياحنا وسرورنا لزيارة والده، وبمشاهدة بعض نفائس ما لديه من الكتب، ففوجئت بقوله: كل تلك الكتب لا فائدة منها، فقلت مستغرباً: وبماذا يستفاد؟ فقال: بالقرآن الكريم، وبديوان أبي الطيب المتنبي، وبكتاب ضوء في دراسة التوحيد لأحمد صبري شويمان، وشويمان هذا كان قد أسس في مصر جماعة تدعى الأنصار، وأصدر مجلة بهذا الاسم لنشر أفكاره التي تقوم على أساس تفضيل العرب على جميع الأمم، ولكنه كان يغالي في ذلك، بحيث يرى أنهم في جاهليتهم أفضل من غيرهم، وأن ما ينسب إليهم من ارتكاب أمور جاء الشرع الإسلامي الحنيف بتحريمها وإبطالها، منها ما كانت نسبته إليهم غير صحيحة، ومنها ما كانت له في ذلك العهد مسوغات تجيز ارتكابه، ومنها ما كانت حياتهم تضطرهم إلى فعله، فهم في كل ذلك معذورون، ولاشك أن كثيراً من آرائه على خطأ واضح، ومع ذلك فقد لاقت فكرته تقبلاً لدى عدد قليل من الشبان، كان منهم في البحرين أحد أفراد أسرة الخليفية وهو شاعر ويدعى إن لم تخني الذاكرة محمد بن أحمد، ومنهم علي التاجر، ومنهم في مصر وفي الأردن وغيرها، وكانت مجلة الأنصار تحمل بعنف وشدة على علماء الدين كالشيخ محمد حامد الفقي رئيس جماعة أنصار السنة وعلى غيره. وقد آلت الحال بشويمان أن حاول أن يعيش عيشة البداوة، فاقتنى غنماً واتخذ بيتاً من شعر، وذهب إلى صحراء السويس، ولكنه هوجم هناك وأخذ جميع ما معه.


وفي البحرين مكتبة تدعى مكتبة المؤيد لبيع الكتب، ومع صغرها يعجب المرء لكثرة ما يجتمع فيها من المؤلفات الحديثة من منشورات مصر والعراق والشام، مع مطبوعات بعض البلاد الأخرى كإيران والهند وترد إليها أشهر المجلات العربية".



المصدر: من سوانح الذكريات، حمد الجاسر، دار اليمامة للبحث والترجمة والنشر، إشراف مركز حمد الجاسر الثقافي، الطبعة الأولى 2006م.

القول الجلي في تحقيق مولد سمو الشيخ عيسى بن علي بقلم الباحث بشار الحادي

القول الجلي في تحقيق مولد سمو الشيخ عيسى بن علي وهو سمو الشيخ عيسى بن علي  بن خليفة آل خليفة حاكم البحرين طيب الله ثراه ...