الاثنين، 22 أبريل، 2013

رحلة أمين الريحاني إلى البحرين عام 1922 (1-2)

أمين فارس أنطوان الريحاني، أديب، شاعر، باحث، مؤرخ، كاتب، رحالة، سياسي، داعية إلى الإصلاح الاجتماعي، من عمالقة الأدب العربي، ورجال الفكر. ولد في عام 1876 في بلدة الفريكة من قرى منطقة المتن الشمالي في جبل لبنان، وهو من أسرة مارونية ويحكى أن منزل الأسرة هناك كان محاطا بشجر(الآس) أو الريحان فبات يعرف ببيت الريحاني. سافر للولايات المتحدة الأمريكية عام 1888 مع عمه عبده الريحاني ومعلمه نعوم مكرزل ، وفي نيويورك درس الحقوق ثم عاد إلى لبنان عام 1898 مدرساً للإنجليزية ، ثم بعد عام من عودته إلى لبنان عاد إلى نيويورك وابتدأ من عام 1902 يصدر كتبه والتي كان أولها كتاب نبذة في الثورة الفرنسية وفي عام 1910 أصدر الريحانيات بجزئيه الأول والثاني ، ثم عاد بعده إلى لبنان ، ثم قفل راجعاً إلى أمريكا ليصدر عام 1915 رواية زنبقة الغور. في عام 1922 بدأ رحلته للبلاد العربية التي قابل فيها عبد العزيز آل سعود الذي قدم إليه سيفه الخاص، وأمير الكويت أحمد الجابر الصباح وشيخ البحرين حمد بن عيسى وفيصل الأول ملك العراق . وفي عام 1923 أصدر الجزئين الثالث والرابع من الريحانيات فكتاب ملوك العرب عام 1924، في عام 1947 تعرض أمين الريحاني لحادث وأدخل المستشفى وتوفي في 13 سبتمبر عام 1947 بعد أن ترك إرثا أدبيا وتاريخيا ضخما وقيما كما كتب المسرحيات والقصص بالعربية والإنجليزية وكان أشهر أدباء المهجر بعد جبران خليل جبران، وهذه مقتطفات من رحلته إلى البحرين.
العناوين
الإرسالية تستطيع أن تضاعف خيرها لو أقلعت عن التبشير وحصرت ما لديها من أسباب البر في الطبابة والتعليم
المسلمون وخصوصاً العرب راضون رضا عجيباً بدينهم ولا يرغبون في سواه بديلاً
الشيخ عيسى بن علي: إذا لبى سلطان نجد دعوة الملك حسين فنحن نلبيها.
أول ما يستلفت النظر عمران المنامة وقصورها المشرفة على البحر
البحرين مثل الكويت محطة للتجارة مع شبه الجزيرة
لم يكن في البحرين من يعرف لجمال الدين الأفغاني مقاماً ولا من يكترث به !!
يقول أمين الريحاني :" ما أخطأت الظن ببلاد عربية مثل خطأي بالبحرين. وما دهشت في قطر من الأقطار التي زرتها دهشتي أول يوم في هذه الجزيرة ولا غرو فالجهل يجسم الدهشات. قال أحد الأصدقاء في الحجاز، وهو يصف لي الطريق إلى نجد: ستسافر من بمباي إلى البحرين ومنها في مركب شراعي إلى العقير فظننت البحرين جزيرة صغيرة حقيرة يأوي إليها الصيادون، وظننت شيوخها من البدو الذين يسكنون الخيام. بل كنت عند وصولي أظنها معبراً إلى الأحساء. وماذا ينفع التظاهر بالعلم إذا فضحتك أول كلمة منك بعد السلام؟ أما وأني أمقت الادعاء فلا أحاول إخفاء جهلي وهو جهل عام يكاد يشمل كل أدباء العرب. إني اعترف عني وعنهم. أول ما يستلفت نظر الغريب عند وصوله إلى البحرين، خصوصاً إذا كان قادماً من البحر الأحمر، عمران مدينة المنامة وقصورها المشرفة على البحر ثم المراكب الشراعية الجلابيت التي تشق من مياه الخليج ازرقاق لا صفاء بعد صفائه. ولا حفيف ألطف من حفيف هواء الخليج وهو يداعب الشراع ويهمس في أذن الصباح كلمات الأمان والترحيب.
إنه لينطبع في تلك الآونة من اللونين لون الشراع ولون الماء صورة في الذهن هي كلوحة السينما في تغيرها المستمر وحركتها الدائمة. ذلك لأن مياه البحرين قلما تخلو من الجلابيت السارحة المارحة فيها على الدوام أما البواخر فهي ترسو على أربعة أو خمسة أميال من البر. وإذا ما السائح وطئ أرض الجزيرة وجال في أسواقها يستلفت نظره كذلك حركة تجارية لا ينبئ حتى ظاهرها بكل ما هناك. فهو يشاهد في المخازن من الملبوس والمأكول والمشروب ومن أسباب الزينة والترف ما يندر إلا في المدن الكبيرة مثل بمباي والقاهرة.
أما إذا دخل أحد بيوتات التجارة فيستوقف نظره لأول وهلة الدفاتر الضخمة والكتاب. ها هنا إدارة ونظام، ودواوين يجلس عليها الزائرون لا الزبائن، فيشربون القهوة ويدخنون. هو الشرق في مظهريه القديم والحديث. وفي هذه البيوتات التجارية صناديق من حديد، وأكياس من النقود، ذهباً وفضة، وبريد تراعى أوقات سفره وقدومه، وحسابات ومراسلات وليس فيها شيء من البضاعة، وقلما يشاهد فيها غير حركة الكتاب وحركة الزائرين. أما السبب في ذلك فهو بعد أن تعلمه بسيط.
إن البحرين مثل الكويت محطة للتجارة بين الشرق والشطر الشرقي من شبه الجزيرة. ويصح أن يقال فيها من هذا القبيل إنها سوق من أسواق نجد، لأن قسماً كبيراً مما يدخل إليها من الهند وإيران والعراق ومن أوروبا وأميركا عن طريق الهند يباع في نجد. وإنك لترى منه أيضاً في أسواق بريدة وعنيزة وحايل. بل يصل منه حتى إلى اليمن وعسير والحجاز لأن القوافل من تلك الأقطار العربية تجيء عن طرق نجران وقلعة بيشة والخرمة إلى الرياض والأحساء. تجيء بين اليمن وحبوبه وتعود حاملة من البضائع ما يدخل إلى نجد عن طريق البحرين والكويت.
ولا نزال في سلسلة المدهشات فإن في البحرين إذا كنت ممن يهمهم الأدب والشعر ، نهضة أدبية اجتماعية مباركة. أجل، إن في هذه الجزيرة من الأدباء والشعراء عدداً ليس بقليل وذكاء ليس بضئيل. وطموحاً على الأقل أخواتها في سوريا ومصر. فهذا ناديها الأدبي وفيه المجلات العربية أكثرها وأحسنها، وهذه غرف القراءة وفيها من الكتب الحديثة والقديمة أنفسها، وهذه المدرسة الابتدائية وفيها يعلم بعض العلوم التي تزال تعد في اليمن مثلاً من بواعث الكفر والضلال وفيها من المعلمين المصري والعراقي والنجدي. إن البحرين ليست سوى معبراً إلى نجد حبذا المعبر وما فيه من مدهشات الثقافة والعمران.
وإليك بمزيد منها لست كما قد يعلم القارئ ممن يعجبون بالمرسلين ويستحسنون التبشير بالأديان ولكن في البحرين معهداً أميركياً ديني الأصل طبي وتهذيبي العمل وهو مؤلف من كنيسة يخدمها قسيس ومدرسة كانت يوم زرت الجزيرة مقفلة، ومستشفى وصيدلية يديرهما طبيب فاضل وبعض السيدات اللواتي يساعدنه ويبثثن عملاً لا قولاً روح التذهيب والارتقاء في زيارتهن أسيرات الحجاب والحريم.
ولكن هذه الرسالة الأمريكية المؤسسة في البحرين والكويت والبصرة تستطيع أن تضاعف خيرها وتعممه لو أقلعت عن التبشير وحصرت ما لديها من أسباب البر في الطبابة وفي التعليم المجرد من حب الهداية الروحية ذلك لأن المسلمين وخصوصاً العرب منهم راضون رضى عجيباً بدينهم ولا يرغبون في سواه بديلاً . وأكثرهم لذلك يبتعدون عن المدارس التي يديرها المرسلون فلو فرضنا إن في مدرسة الكويت أو البحرين، وهي تجعل من دروسها الكتاب المقدس، عشرين تلميذاً فإن هذا العدد يزداد أضعافا إذا الغي التعليم الديني أو قرئ الكتاب المقدس في المدرسة كما يقرأ التاريخ. إن المرسلين أنفسهم ليعلمون ذلك، وهم في مدة خمسين سنة لم يتمكنوا من هداية خمسة من المسلمين فما الفائدة من التبشير إذن؟ حبذا مدارس أمريكية لا مفزعات دينية فيها تهرب المسلمين.
ومما أدهشني في اليوم الأول من إقامتي في البحرين وليس فيما أقول غير الجد والإعجاب تلك الأتن البيض التي توفق حسناً ونشاطاً حمير الحساء. ومعلوم إن حمير الحسا ملوك الحمير. وأتن البحرين أميرات الأتن. أما السبب في حسنها وسمنها وتدملك ربلاتها، وفي نشاطها المقرون بالحكمة فهو أن أهل البحرين يطعمونها السمك ثم يفتكونها بالتمر. وهو ذا مخزن السمك لا تبادر إلى التصليح، أيها الأستاذ فالساحة لا تفيد المعنى، إنما المخزن بعينه أريد وكأنه مخزن قمح أو شعير، ترى فيه السمك الصغير الذي يصنعون منه السردين في أوروبا مركوماً كركام الرمل. فهم يجففونه ويبيعونه مثل القمح أو الشعير بالأكياس. أما دبابة المستر فورد الأميركاني التي تزعج السياح حتى في البادية وفي أقصى زوايا الأرض الموجشة، فهي اليوم من الكمالات في البحرين. ولكنها غداً تصبح من المبتذلات المجلجلات شأنها في كل مكان. فيلحق شرها بتلك الاتن الطاهرة الجميلة. إلا أن في البحرين صعوبات في السفر لا يصلح لها آلة أو إنسان. جاءني ذات يوم بعض الأدباء يدعونني لزيارة الشيوخ في المحرق وكانت ساعة الجزر فلم نستطع الوصول إلى الجلبوت الذي كان في البحر إلا إذا اخترقنا السبخة حفاة وخضنا المياه حتى الركاب. فركبنا الأتن إلى الجلبوت وشكرنا الله أن في هذا المضمار لا تباري الدبابة الحمار.
ليس كل من يبحرون من المنامة والمحرق أو إليهما يركبون الأتن ساحة الجزر، بل إن أكثرهم رجالاً ونساء، وقد شمروا عن السيقان وعما فوقها في بعض الأحيان ، يخوضون المياه بين الشاطئ والجلابيت وهم يمزحون ويضحكون كأنهم يسبحون ويلعبون. لا أظن أن مشهداً من مشاهد الرقص في باريس أو من مشاهد السباحة في مياه بيارتز في الصيف يضاهي في العري والبهاء هذا المشهد البحراني وقد رفع ستاره للشمس والسماء. بيد أن مسرحه مسرح الفطرة والسذاجة، فلا سبيل للهمس، ولا باب لما ساء من الفكر والإيماء. وأغرب ما فيه أن النساء المحجبات يشمرن كالرجال. لم أتمالك مرة أن أظهر دهشتي وبيدي آلة التصوير إذ رأيت إحدى النسوة تنزل من الجلبوت إلى المياه وقد شمرت بكرم فاضح، فقال رفيقي: شيء مألوف. خذ صورتها ولا بأس، فصورت آية النشور، أما الوجه فمحذور.
نزلنا في المحرق وسرنا إلى قصر الحاكم صاحب السمو الشيخ عيسى بن علي آل خليفة فإذا في الزقاق إلى أصل الحائط بعض الأعراب عاقدون الحبوة وإذا في الفناء الكبير جمهور آخر لا يقل عن المئة جالسون في مجالس من اللبن والحجر كل يحمل سيفه أو عصاه وقد خيم عليهم السكوت كأنهم الأصنام. مشيت في الفناء لا أدري أفي مجلس الحاكم أنا أم في معبر آخر إليه. ولما وصلت إلى وسط تلك الساحة الرهيبة وقف أحد الجالسين في الصدر وهو شيخ صغير القامة قصير اللحية طاعن في السن فتقدمت إليه وسلمت عليه، فأجلسني في مجلس من الحجر إلى يمينه هو الشيخ عيسى بعينه رحب بي ولامني لأني نزلت في المنامة ولم أنزل في المحرق ضيفاً عليه.
ثم أمر بالقهوة فجاءت في إبريق من النحاس كبير جميل، يحمله رجل أسود عمليق لابس معطفاً أحمر مزركشاً بالقصب، يتبعه ولد في ثوب رسمي كذلك يحمل الفناجين. وقف الاثنان أمام سمو الشيخ وقوف الجندي أمام القائد العام فسلما واليد على الرأس ثم أخذ صاحب الإبريق فنجاناً من الولد فصب فيه وقدمه لمولاه، ثم صب ثانية وقدم الفنجان للضيف فتناولته باليد اليسرى دون أن أدرك وقتئذ خطأي. لست أدري ما حل بي تلك الساعة فكنت في حديثي كما كنت في عملي متعثراً قل هي سلسلة من المدهشات، وقد كنت هذه المرة مصدرها لا موضوع تأثيرها.
دهش الشيخ عيسى ولا ريب من فعلتي الأولى، وعندما شرعت أحدثه أمام ذاك الجمع الصامت الساكن في موضوع رحلتي نظر إلي وفيه شيء أشد من الدهش. وما كدت أذكر أمراء العرب وحاجتهم إلى التعارف والتفاهم حتى وثب من المجلس، فوقف الحضور كلهم مثله بغتة، وتقدم مني يشير أن أتبعه. مشيت وراءه يصحبنا بعض حاشيته وأنا بينهم مثل مذنب يساق إلى السجن. على أن سمو الشيخ عندما صرنا في الشارع التفت إلي وقال هؤلاء العربان لا يفهمون ونحن لا نتكلم في السياسة أمامهم نمشي إلى البيت فنتحدث هناك.
مشينا إلى بيته الخاص فصعدنا إلى غرفة فيه على السطح لا يدنو منها العربان ولا يصل إليها من الرقباء أذن أو عين. وكان معنا حفيده الشيخ محمد بن عبدالله وآخران من الأسرة الشريفة. جلسنا وأنا لا أزال ألوم نفسي على ما بدا مني فقال سموه دون أن يقصر اللطف في لهجته: تكلم الآن. فجمعت شتات الفكر وأفضت في الموضوع وهو منصت يهز برأسه ثم قال: العرب لا يتحدون. فقلت: وهل تلبون دعوة الملك حسين إلى اجتماع يعقد في مكة من أجل البحث في شؤون العرب والإسلام؟ فأجاب قائلاً: إذا لبى سلطان نجد الدعوة فنحن نلبيها. وقفنا عند هذا الحد في السياسة ورحنا بعد أن ودعنا سموه نزور ابن عمه الشيخ إبراهيم بن محمد المشهور الذي حكم الجزيرة عدة سنين وكان له والانكليز مواقع سياسية انتهت بنفيه وبوفاته في المنفى. أما ابنه الشيخ إبراهيم فهو أشد ميلاً إلى الأدب والشعر منه إلى السياسة بل هو شيخ الأدباء والشعراء في البحرين ومن خيرة رجالها تلقى العلم في الحجاز من كبار العلماء وله إلمام بجل الفنون. هو رجل عصري في آرائه وأحكامه، يطالع المجلات العربية، ويتبع الحركة الفكرية والثقافية في العالم، ويسعى وهو الرئيس الثاني لمجلس المدارس في تمهيد السبيل في البحرين إلى بعض خيرها.
حدثنا الشيخ إبراهيم في مجلسه عن جمال الدين الأفغاني الذي عرج مرة على البحرين قال: لم يكن في تلك الأيام من يعرف لجمال الدين مقاماً ولا من يكترث به. حتى إنه لم يجد في هذا البلد من يضيفهه. هذا منذ ثلاثين سنة أما اليوم فترانا نرحب بالعلم ورجاله وإن أدباء البحرين يفتخرون بزيارة الأديب اللبناني الذي قال فيه سركيس...
ثم انتقل محدثي من مجلة سركيس إلى مجلتي المقتطف والهلال، فسرني ثناؤه على أصدقائي البعيدين كما سرني ما خصني به لأنه خلو من المبالغة والمجاملة. وما كدت أقول لنفسي ما أحلاه حتى جاءت القهوة وجاءت معها كلمة استفهام طيها التأنيب قال الشيخ إبراهيم وأنا امد يدي إلى الساقي: وما السبب في تناولك فنجان القهوة في مجلس الشيوخ باليد اليسرى؟ قد انتقدوا عليك ذلك. فقلت: وأنا صادق في عذري إن في اليمنى وجعاً عصبياً يضطرني في بعض الاحيان إلى استعمال اليسرى فقال فضيلة الشيخ: عذر مقبول وسننشره في البلد دفاعاً عنك فقلت: وعسى أن يعلن العذر بسرعة إعلان الذنب فضحك فضيلته ومن في المجلس.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق