السبت، 16 يوليو، 2011

تاريخ المناصحة الوطنية‮.. ‬ذاكرة بحرينية‮ ‬يجب أن تُستحضر

بقلم د. ضياء الكعبي
صحيفة الوطن - العدد 2039 الأثنين 11 يوليو 2011
يُختزل سُنة البحرين في‮ ‬كتابات عدد من الباحثين البحرينيين ضمن تيار الموالاة الانتهازية للنظام الحاكم في‮ ‬حين‮ ‬يُصنف الشيعة ضمن تيار المعارضة التي‮ ‬بإمكان الدولة أن تستفيد منها عندما تُحوّلها إلى معارضة بنّاءة لخدمة الدولة المدنية الحديثة،‮ ‬وتأتي‮ ‬خطورة مثل هذه الكتابات الزائفة والمشوِّهة للحقيقة من كتابٍ‮ ‬يصدرون عن عقلية إيديولوجية إقصائية تتستر برداء الحداثة والوطنية،‮ ‬في‮ ‬حين أن منبعها الرئيس منظومة طائفية بغيضة تجتهد في‮ ‬تخويف السلطة من التحالف مع السنة؛ لأن الموالاة بينهما قائمة على منافع ومكاسب وامتيازات للطرف الثاني‮ ‬ومتى ما ذهبت هذه الامتيازات ستنكشف هذه الجماعات الطفيلية الانتهازية‮''‬السُنية‮''! ‬وتنتهي‮ ‬الموالاة الميكافيللية‮! ‬كما تجتهد مثل هذه الكتابات الطامسة والمغيبة للحقائق التاريخية في‮ ‬إلغاء قرن كامل من الحركة الوطنية التي‮ ‬كان قادتها الوطنيون في‮ ‬جلّهم من الطائفة السُنية،‮ ‬وهذه الحقائق التاريخية الساطعة تنسف أكذوبة الموالاة السُنية الانتهازية التي‮ ‬تروّج لها بعض الأقلام الطائفية عن عمد وبقصدية واضحة‮! ‬إنَّ‮ ‬أمثال هذه الكتابات التي‮ ‬سمعنا دويها ولانزال في‮ ‬الفترة الأخيرة لم تجد للأسف من‮ ‬يتصدى لها لكشف مغالطات خطابها الخاص بسٌنة البحرين الذين برز من بين ظهرانيهم قادة الحركة الوطنية البحرينية المعاصرة‮.‬ سأطلق على هذه الحركة الوطنية التي‮ ‬ظهرت منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي‮ ‬تسمية حركة‮ ''‬المناصحة الوطنية السياسية البحرينية‮''‬؛ فهي‮ ‬حركة سعت رغم تباين مرجعياتها وأطرها الفكرية والسياسية والثقافية إلى مناصحة الحاكم ضمن المشروع الإصلاحي‮ ‬للدولة البحرينية الحديثة منذ عهد المغفور له الشيخ عيسى بن علي‮ ‬آل خليفة المعروف بوطنيته الشجاعة في‮ ‬التصدي‮ ‬لمخططات الاستعمار البريطاني‮ ‬وأهدافه الخبيثة الرامية لزرع الفتنة الطائفية بين السُنة والشيعة،‮ ‬وترسيخ مبدأ مظلومية الشيعة واضطهادهم وأحقيتهم في‮ ‬الحكم،‮ ‬وهي‮ ‬سياسة الاستعمار مع الدول ذات التعدديات الطائفية والمذهبية في‮ ‬كل مكان‮! ‬وقد نجحت السياسة التي‮ ‬دشنها الكابتن البريطاني‮ ‬نورمان براي‮ ‬منذ أواخر القرن التاسع عشر في‮ ‬تأسيس حزب من الشيعة البحرينيين الموالين لبريطانيا في‮ ‬صراعها مع الشيخ عيسى بن علي‮ ‬مستغلاً‮ ‬القضايا الطائفية الحساسة‮. ‬كما سعى براي‮ ‬إلى مناوأة البحرينيين السُنة بسبب عدائهم الشديد لبريطانيا،‮ ‬وهو عداء متوّلد من التأثر بالقومية العربية الصاعدة آنذاك في‮ ‬مصر وبلاد الشام وبالنهضة التنويرية العربية لجيل بحريني‮ ‬مثقف شاب‮ -‬أطلق عليه كل من محمد عبدالقادر الجاسم وسوسن الشاعر‮- ‬تسمية‮ ''‬مجموعة المحرق‮''. ‬وهو جيل تشكّل في‮ ‬بوتقة الهوية العربية الإسلامية المناهضة للاستعمار البريطاني،‮ ‬وقد‮ ‬غذت هذا الشعور القومي‮ ‬الصاعد الصحف العربية التي‮ ‬تصل إلى البحرين آنذاك مثل المقتطف والمنار والأهرام والهلال إلى جانب سفر بعض الطلاب البحرينيين إلى الهند للدراسة وتأسيس النادي‮ ‬الأدبي‮ ‬عام‮ ‬1920‮ ‬بتطلعاته التنويرية والتي‮ ‬كان في‮ ‬مقدمة رواده شيخ الأدباء الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة والأديب ناصر الخيري‮ ‬مؤلف كتاب‮ ''‬قلائد النحرين في‮ ‬تاريخ البحرين‮''‬،‮ ‬وهو رغم انتمائه إلى طبقة الموالي‮ ‬المضطهدة اجتماعياً‮ ‬آنذاك إلا أنه أسفر في‮ ‬تكوينه الثقافي‮ ‬عن وعي‮ ‬تنويري‮ ‬مكنه من انتقاد السلطة والدعوة إلى مشروع إصلاحي‮ ‬سياسي‮. ‬وقد أسست مجموعة المحرق التنويرية بالتعاون مع أهالي‮ ‬المحرق أول مدرسة نظامية في‮ ‬الخليج العربي‮ ‬هي‮ ‬مدرسة الهداية الخليفية عام‮ ‬‭.‬1919‮ ‬كما تولت مهمة إصدار العرائض لانتقاد سياسة الانتداب البريطاني‮ ‬وإرسالها إلى بوشهر‮.‬ على الطرف المقابل لتيار الموالاة الشيعي‮ ‬البحريني‮ ‬لبريطانيا ظهر تيار مناصحة‮ ''‬سُني‮ ‬بحريني‮''‬،‮ ‬ويُؤرّخ لتيار المناصحة السياسية البحرينية‮ ''‬السُنية‮'' ‬منذ الفترة الممتدة من‮ ‬1904‮-‬‭,‬1923‮ ‬وهي‮ ‬الفترة التي‮ ‬شهدت ذروة الصراع السياسي‮ ‬بين الشيخ عيسى بن علي‮ ‬والإنجليز،‮ ‬وانتهت بعزل الشيخ‮. ‬لقد ظهرت في‮ ‬هذه الفترة أسماء قادة وطنيين من رجالات السُنة البحرينيين المشهود لهم بوطنيتهم الحقة وهم الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة والشيخ عبدالوهاب الزياني‮ ‬وعبدالرحمن الزياني‮ ‬وعبدالرحمن الوزّان وقاسم الشيراوي‮ ‬وشاهين بن صقر الجلاهمة وعلي‮ ‬الفاضل وعبدالله بن حسن الدوسري‮ ‬وعيسى بن أحمد الدوسري‮ ‬ومحمد بن صباح البنعلي‮ ‬وأحمد بن لاحج والشيخ عبداللطيف بن محمود والسيد عبدالله بن إبراهيم وحسين بن علي‮ ‬المناعي‮ ‬ومحمد بن راشد بن هندي‮ ‬وأحمد بن قاسم الجودر وجبر بن محمد المسلم ومهنا بن فضل النعيمي‮ ‬وغيرهم‮. ‬ وظهرت مطالبات لإنشاء مجلس تشريعي‮ ‬وإجراء بعض الإصلاحات السياسية والمعيشية ومنها تأسيس برلمان منتخب‮ ‬يراعي‮ ‬مصالح الناس‮. ‬وقد كتب الوكيل السياسي‮ ‬البريطاني‮ ‬الميجر ديكسن قبل مغادرته البحرين واصفاً‮ ‬الوضع السياسي‮ ‬فيها أنَّ‮ ''‬هناك استياءً‮ ‬سُنياً‮ ‬ضد الإنجليز بسبب الفكر الديني‮ ‬والقومي‮ ‬وعدائهم المتزايد ضد بريطانيا‮''. ‬كما أشار ديكسن في‮ ‬مراسلاته مع حكومة المستعمرات إلى المواقف المعارضة التي‮ ‬تتخذها بعض القبائل البحرينية مثل قبيلة الدواسر ممثلة في‮ ‬زعيمها الشجاع الشيخ أحمد بن عبدالله الدوسري،‮ ‬وهذه القبيلة العربية الأصيلة التي‮ ‬رفضت الخضوع لأوامر السلطات الاستعمارية البريطانية وآثرت الرحيل عن البحرين واستقرت بالدمام سنة‮ ‬1923‮ ‬ثم عاد جزء من القبيلة إلى البحرين بعد ذلك‮. ‬وقد راقبت السلطات الاستعمارية البريطانية هذه الحركة الوطنية البحرينية الوليدة بحذر شديد،‮ ‬وأحكمت كماشتها للقضاء عليها فسعت إلى فرض‮ ''‬قانون المستعمرات‮'' ‬على البحرين منذ عام‮ ‬‭,‬1909‮ ‬ويمنح هذا القانون بريطانيا سلطات تمكنها من تحجيم سلطة حاكم البحرين ومن نفي‮ ‬المشاغبين البحرينيين المعارضين لسياساتها إلى مستعمرات بريطانية كالهند أو سانت هيلانة أو‮ ‬غيرها‮! ‬فقد نُفي‮ ‬الشيخ سعد الشملان والد المناضل الوطني‮ ‬عبدالعزيز الشملان إلى الهند،‮ ‬وكان نفيه ببضعة أيام قبل نفي‮ ‬كلٍ‮ ‬من الشيخ عبدالوهاب الزياني‮ ‬وأحمد بن لاحج عام‮ ‬1923‮ ‬كما لاحظ ذلك الباحث البحريني‮ ‬بشّار الحادي،‮ ‬وكان نفي‮ ‬الثلاثة بعد عزل الشيخ عيسى بن علي‮ ‬من قبل الإنجليز‮. ‬وقد ردَّ‮ ‬الميجر ديلي‮ ‬على اعتراض أهالي‮ ‬البحرين على نفي‮ ‬الزعيمين الزياني‮ ‬وبن لاحج قائلاً‮ ''‬من‮ ‬يريد أن‮ ‬يلحق بعبدالوهاب الزياني‮ ‬أي‮ ‬في‮ ‬السفينة فأمامه الباب الشمالي‮ ‬المؤدي‮ ‬للفرضة فليلحق به،‮ ‬ومن أراد‮ ‬غير ذلك فأمامه الباب الشرقي‮ ‬ليخرج منه‮!''. ‬وقد تابع هذان الزعيمان الوطنيان الدفاع عن قضية الشيخ عيسى بن علي‮ ‬بوصفهما وكيلين عنه في‮ ‬محاكم الهند إلا أنَّ‮ ‬وفاة الزياني‮ ‬أنهت تلك المتابعة‮.‬ استمر تيار المناصحة الوطنية البحرينية متدفقاً‮ ‬في‮ ‬عطائه في‮ ‬الثلاثينات والأربعينات والخمسينات من القرن الماضي‮ ‬مع ظهور‮ ''‬جريدة البحرين‮'' ‬للأديب البحريني‮ ‬عبدالله الزايد في‮ ‬مشروعه الوطني‮ ‬الإصلاحي‮. ‬كما برزت المطالبات العمالية لعمال النفط البحرينيين المشتغلين في‮ ‬بابكو في‮ ‬هذه الحقبة الوطنية،‮ ‬وهنا تبرز أسماء كل من سعد الشملان وأحمد الشيراوي‮. ‬وتحولت الأندية كما‮ ‬يذكر محمد الرميحي‮ ‬في‮ ‬كتابه‮ ''‬البحرين،‮ ‬مشكلات التغيير السياسي‮ ‬والاجتماعي‮'' ‬من‮ ''‬أندية رياضية إلى بؤر للفكر السياسي‮ ‬ولتبادل الأفكار والآراء‮'' ‬وخاصة نادي‮ ‬البحرين المعروف سابقاً‮ ‬باسم نادي‮ ‬الشبيبة‮. ‬ في‮ ‬الخمسينات من القرن الماضي‮ ‬تأسس أول حزب سياسي‮ ‬في‮ ‬منطقة الخليج العربي‮ ‬ممثلاً‮ ‬في‮ ''‬هيئة الاتحاد الوطني‮''‬،‮ ‬وهي‮ ‬حركة وطنية شعبية بحرينية إصلاحية تكونت جمعيتها العمومية من مائة وعشرين عضواً،‮ ‬وضمت لجنتها العليا التنفيذية ثمانية أعضاء من السنة والشيعة وترأسها الأمين العام للهيئة عبدالرحمن الباكر إلى جانب السيد علي‮ ‬بن إبراهيم ومحسن التاجر وإبراهيم بن موسى وعبدالله أبوذيب وعبدعلي‮ ‬العليوات وعبدالعزيز الشملان وإبراهيم فخرو‮. ‬وامتد تاريخ هذه الحركة الوطنية من أكتوبر‮ ‬1954‮ ‬إلى نوفمبر‮ ‬‭.‬1956‮ ‬وقد اصطدمت الهيئة بسلطات الاستعمار البريطاني‮ ‬التي‮ ‬حاربتها بسبب تعاظم الشعور القومي‮ ‬بين أعضائها فكان مصير ثلاثة من قادتها النفي‮ ‬إلى جزيرة سانت هيلانه التي‮ ‬كانت منفى نابليون بونابرت،‮ ‬وهنا‮ ‬يعود مرة أخرى قانون المستعمرات‮! ‬والقادة الثلاثة المنفيون هم الباكر والشملان والعليوات‮. ‬وكان مصير اثنين من قادتها السجن في‮ ‬جزيرة جدا وهما إبراهيم بن موسى وإبراهيم فخرو اللذان قضيا عشرة أعوام كاملة في‮ ‬السجن،‮ ‬وخرج بن موسى وبعد أيام قليلة انتقل إلى الرفيق الأعلى بعد نضال وطني‮ ‬مشرف‮. ‬وقد وقفت الهيئة موقفاً‮ ‬وطنياً‮ ‬في‮ ‬الدفاع عن البحرين ضد الأطماع الإيرانية في‮ ‬الخمسينات وذلك في‮ ‬مجلة‮ ''‬صوت البحرين‮'' ‬الصادرة عن الهيئة‮. ‬كما كان للشملان موقف وطني‮ ‬مشرف عندما حاول إقناع الآلاف من أبناء القبائل العربية الأصيلة في‮ ‬الخمسينات‮ (‬البوكوارة والكعبان والنعيم والكبسة والسلطة وغيرهم‮) ‬بوقف هجرتهم إلى قطر في‮ ‬الخمسينات من القرن الماضي‮ ‬بسبب التضييق عليهم من سلطات الاستعمار البريطاني‮. ‬ورغم أن جهوده لم تفلح لكن‮ ‬يحسب له محاولته الحفاظ على هذا المكون العربي‮ ‬الأصيل‮. ‬ واستمر المد القومي‮ ‬ثم البعثي‮ ‬والماركسي‮ ‬في‮ ‬تيارات المعارضة البحرينية في‮ ‬الستينات والسبعينات حيث الحركة الطلابية البحرينية من سُنة وشيعة في‮ ‬جامعات الكويت وبيروت والقاهرة وبغداد‮. ‬وهي‮ ‬جميعها‮ -‬رغم اختلافنا مع مرجعيات بعضها‮- ‬تيارات وطنية لم تستقوِ‮ ‬بالأجنبي،‮ ‬ولم تسعَ‮ ‬لخلق إيديولوجيات طائفية بغيضة،‮ ‬ولم تدمر اقتصاد البلاد،‮ ‬ولم تشوه هويته العربية،‮ ‬وإنما سعت إلى تحقيق إصلاحات سياسية ومعيشية‮.. ‬تباينت اجتهاداتها وتأويلاتها ولكنها في‮ ‬الأحوال جميعها كانت تيارات مناصحة وطنية بعيدة عن الانتهازية السياسية،‮ ‬وهي‮ ‬المناصحة التي‮ ‬نريد في‮ ‬منظومة الحكم السياسي‮ ‬الرشيد وخاصة المناصحة السُنية التي‮ ‬يجب ألا تُحجم من قبل الدولة وألا‮ ‬يُخشى منها حتى لا تتكرر محنة فبراير بسبب اختزال المعارضة في‮ ‬جماعات محدودة معروفة بأجندتها الخاصة‮! ‬ولن‮ ‬يتحقق التوازن السياسي‮ ‬مطلقاً‮ ‬بهذا الاختزال‮!‬

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق