الثلاثاء، 28 يونيو 2011

أكبر مبنى للوثائق في العالم

أ.د. فيصل الكندري(*)
نشرت القبس الحلقة الأولى عن الاجراءات الجديدة التي جرى تطبيقها في الأرشيف العثماني بتاريخ 2011/4/6، وهو أرشيف رئاسة الوزراء بمدينة اسطنبول نستكمل الجزء الثاني من التغطية في أرجاء الارشيف، لتسهيل العمل على الراغبين في البحث عن الوثائق والكنوز.

في حديث لــ القبس مع فؤاد رجب مسؤول قاعة الاطلاع بالأرشيف العثماني، وهو له خبرة طويلة مع الأرشيف ويجيد اللغة العربية، أفاد بأن زوار الأرشيف ينقسمون الى قسمين، فهناك من يقوم بالبحث لشهور طويلة، بحيث يزوره بصورة شبه يومية وهم الطلبة الراغبون في الحصول على شهادات علمية عليا كالماجستير والدكتوراه، وهناك من يزوره لفترة محدودة ولأيام عديدة لجمع المادة العلمية لموضوع معين، فهذا يتردد على الأرشيف خلال فترة اقامته في مدينة اسطنبول ويعود بعدها الى بلده. وبالتالي فان الارشيف يستقبل قرابة 3000 باحث وزائر شهريا.

عن أهم الخدمات التي يقدمها موظفو القاعة للباحثين، قال فؤاد رجب:
- يقوم الموظفون بتعريف الباحثين بالتصنيفات الموجودة والموضوعة على جهاز الحاسب الآلي، ويرشدونهم الى التصنيف الذي يخص البحث، والى الطريقة المثلى للتعامل مع جهاز الحاسب الآلي، وكيفية استخراج الوثائق ذات العلاقة بالبحث وموضوع الدراسة.
كما يقوم الموظفون في قاعة الاطلاع بتسليم الباحثين الوثائق الآتية من المخازن واستلامها في حالة الانتهاء منها، وتقديم الوثائق المصورة على الأقراص المدمجة اذا رغب الباحثون بذلك. ونود التنويه هنا بأنه في السابق كانت تصور تلك الوثائق عن طريق الفوتوكوبي (التصوير الضوئي)، وكثيرا ما كان يجد الباحث صعوبة في فك الخط لعدم وضوحه، أما الأن فتأتي الصورة ملونة، وعلى قرص مدمج وهي صورة طبق الأصل وواضحة وسهلة القراءة.
وكانت الاجراءات المتبعة قديما عند الانتهاء من تصنيف جديد كان يوضع اعلان صغير في قاعة المطالعة ليتعرف الباحثون على الفهرس الجديد، أما الان ومع إدخال أنظمة الحاسب الآلي فإن الفهارس الجديدة توضع تلقائيا بين أيدي الباحثين على قوائم الحاسب الآلي، وبإمكان الباحثين الدخول مباشرة للاطلاع على ملخصات تلك القوائم الموجودة على الحاسب الآلي.
الدخول عبر الإنترنت
ويمكن للباحثين من خارج تركيا الدخول على موقع الأرشيف على الشبكة العنكبوتية للاطلاع على الفهارس وتصفحها للوقوف على الوثائق المراد جمعها حول موضوع معين، ويتعين اتباع الخطوات التالية: الدخول إلى موقع الأرشيف ــ اختيار البحث في الفهرس ــ تسجيل الاسم والبيانات ــ تحديد عنوان البحث ــ تحديد اسم المستخدم وكلمة السر ــ ويختار التصفح بين أرشيف الجمهورية التركية أو الأرشيف العثماني ــ اختيار اسم التصنيف ــ تحديد الوثائق المتعلقة بالبحث.. وهكذا.
وعن أهم العوائق أوضح رجب أن جهل اللغة التركية، وهي لغة الحاسب الآلي، أو جهل اللغة العثمانية وهي لغة الوثائق، وربما يظن البعض أنه يتعين على الأرشيف مساعدة أولئك، ولكن هذا ليس من ضمن الأعمال الموكلة للموظفين العاملين بقاعة الاطلاع، لأنه سيشكل عبئا جديدا على الموظفين، وسيتعين تخصيص موظف لكل باحث وهذا لا يعقل طبعاً.
وعن الباحثين العرب المترددين على الأرشيف وأهم العقبات التي تواجههم، اضاف فؤاد رجب:
- لا يتردد الكثير من الطلبة وأساتذة الجامعات العرب على الأرشيف، فهم قلة محدودة، أما من العامة فهناك العديد منهم ممن يبحثون عن أصولهم، وعن شجرة عائلاتهم، ومعظم هؤلاء يجهلون اللغة التركية، ولا يحصلون على مبتغاهم في الأرشيف لعدم وجود سجلات النفوس فيه، فيصبون جام غضبهم على الأرشيف والعاملين فيه، أو أن يكونوا فريسة سهلة لذوي النوايا السيئة فيبتزون منهم مبالغ كبيرة دون مردود حقيقي.
طالبة يمنية
وأثناء تجوالنا في قاعة المطالعة بالارشيف العثماني لم نصادف إلا طالبة عربية واحدة تتردد عليه، وهي الطالبة ابتسام الجرافي من المركز الوطني للوثائق باليمن، وهي طالبة تحضر للدكتواره في جامعة اسطنبول، تحت اشراف الاستاذ الدكتور ادريس بوستانجي، وموضوعها اليمن تحت الحكم العثماني خلال الحكم العثماني الأول (1635/1538م).
توقفنا عندها لنسألها عن انطباعها عن الأرشيف فقالت:
- أجيء إلى الأرشيف كل يوم من أجل جمع المادة العلمية، وقراءة الوثائق وتحليلها، فالاطلاع عليها يتيح لنا الفرصة لفهم حقيقة الاحداث، بعيدا عن التأثيرات العاطفية أو النظرة الضيقة، وهذا سينعكس على فهمنا لتاريخ الدولة العثمانية وطبيعة علاقاتها بالبلاد العربية.
وأضافت قائلة:
- البحث في الأرشيف العثماني من خلال النظام الحالي باستخدام الحاسوب يعتبر عملية سهلة وممتعة ولا تستغرق وقتا طويلا من الباحث، لا سيما إذا تزود بسلاح لغة الوثائق من التركية الحديثة لغة الحاسوب، والعثمانية القديمة لغة الوثائق، وسيكون بإمكانه أن يستدل على مبتغاه بكل سهولة ويسر.
ومن جانب آخر فإن تعاون موظفي الأرشيف مع الباحثين برحابة صدر يعتبر من الأمور المشجعة على البحث هنا، وهذه التجربة تدفعني لإرسال دعوة لكل الباحثين في التاريخ الحديث والمعاصر في عالمنا العربي للقدوم إلى الأرشيف للاستفادة من وثائقه، لفهم حقيقة مجريات الأحداث في بلادنا العربية التي ما زلنا نتلمس آثارها إلى الآن.
تطور الأرشيف العثماني
وفي آخر محطة لنا توقنا في مكتب الدكتور أوندر باير مدير الأرشيف العثماني بأرشيف رئاسة الوزراء للتعرف على مستقبل الأرشيف والبحث فيه. فأبدى سعادته للتحدث معنا، وقال إنه لم ينس تلك الايام الجميلة التي قضاها في الكويت عند زيارته لها عندما حل ضيفاً على وزارة الأوقاف قبل سنوات عديدة.
قال الدكتور أوندر :
- كانت إدارة الأرشيف تتم سابقا وفق اختيارات الحكومة، وكثيرا ما كانوا يعينون وهم ليسوا أهل تخصص، وربما كانوا بعيدين جدا عن التاريخ العثماني أو الأرشيف، لذا كانوا يحاولون بدورهم تقديم الخدمات للباحثين بقدر استطاعتهم فلهم الشكر على ما قاموا به من خطوات في هذا الميدان.
وقد عهدت إلينا إدارة الأرشيف العثماني في عام 2004م، وأخذنا على عاتقنا تقديم أفضل الخدمات للباحثين الأتراك والأجانب، لادراكنا بأهمية توثيق الدراسات التي يقومون بها، فكما تعلم فإن البحث العلمي فيه الكثير من المشاكل والصعوبات، فأحببنا أن نساعد الباحثين بتمكينهم من الوصول إلى الوثائق بسهولة لتقديم تاريخ معتمد وصحيح عن الفترة العثمانية.
فلولا تعاون المسؤولين وتفهمهم لأهمية الأرشيف طبعا لما قدموا لنا التسهيلات والاعتمادات المالية اللازمة لتحقيق مرادنا. فكان عدد الموظفين آنذاك 350 موظفاً فطالبنا بزيادته فتم توظيف 100 وظيفة جديدة، وللإجابة عن سؤالك فقد تم إدخال الميكنة ونظام الأوراكل في التصنيف والتخزين والترميم وغيرها من قطاعات العمل، وتم تدريب الموظفين على التعامل الالكتروني، ومن لم يستطع منهم أن يتكيف مع النظام الجديد فقد نقل للعمل في الوظائف التي لا تتطلب الحاسب الآلي، وهكذا تم خلق جيل من الموظفين لديهم القدرة والكفاءة للتعامل مع النظام الجديد، ولا سيما أنه روح العصر الذي نعيش فيه.
أما عن حجم الوثائق المفهرسة آليا فقد كان عددها عام 2004 قرابة 2 مليون وثيقة أما الآن فتجاوز 7 ملايين وثيقة، ومع العمل المستمر سيزداد العدد طبعا، وركزنا في هذه المرحلة على أكثر التصنيفات طلبا من قبل الباحثين والمترددين على الأرشيف، ومع هذا التوسع في الفهرسة فإن ذلك تطلب منا زيادة مساحة المخازن، كما كان هناك 6 كاميرات في الأرشيف فتمت زيادتها إلى 16 حاليا لتسريع وتيرة العمل. وكما تعلم فإن عمل الأرشيف لا يتوقف على تقديم الوثائق ووضعها بين ايدي الباحثين فقط، وإنما يقوم الأرشيف ايضا بطباعة بعض الكتب الوثائقية المتعلقة بالبلدان الواقعة ضمن حدود الدولة العثمانية، فأصدرنا كتبا عن حلب واليمن والعراق وتونس والبوسنة والأرمن وغيرها، بحيث يتم نشر عينة مختارة من الوثائق وتقديمها للجمهور، ونأمل أن يأتي اليوم الذي نعد فيه كتابا وثائقياً عن الكويت.
وثائق ومجموعات جديدة
وحتى نريح الباحث من عناء السعي والركض وراء الوثائق من جهة لأخرى، وهذا كان يتطلب موافقات تلك الجهات وكان ذلك يستهلك معظم جهد الباحث ووقته رأينا، طالما ونحن جهة اختصاص، أن نجمع تلك الوثائق المتعلقة بالفترة العثمانية تحت جناح الأرشيف، كما تم الاتفاق مع جهات أخرى داخل الجمهورية التركية للاستحواذ على وثائقهم، فتم نقل مجموعات مثل أرشيف طوب قابي، وأرشيف السجلات الشرعية من مشيخة الإسلام، وأرشيف دولمه باغجه، بالإضافة إلىأوراق بعض السفارات العثمانية في العواصم العالمية كلندن وباريس وغيرهما، فهذه منها ما تم تصنيفه، ومنها ما هو قادم في الطريق.
وفي الوقت نفسه، عقدنا اتفاقيات تعاون وتبادل بيننا وبين الأرشيفات المثيلة في العالم العربي والاجنبي، لمعرفة ما لدى الآخر من وثائق تهم الباحثين والمؤرخين، ونحن لا نتعامل بالعدد فلو أعطيناهم مثلا الف وثيقة لا نشترظ أن يعطونا ذات الرقم، لأنه كما تعلم فان الوثائق العثمانية كبيرة العدد، فقط هدفنا هو اقامة جسور من التعاون بين المؤسسات الأرشيفية حول العالم بحيث يفيد ويستفيد كل من الآخر.

مركز عالمي ومبنى جديد
سينتقل الأرشيف في منتصف عام 2012 الى مبناه الجديد في منطقة الكاغد خانه، والاسم القديم لهذه المنطقة هو أسعد آباد، وكان لذلك الموقع شهرة ايام العثمانيين، ولكنه أهمل بعد ذلك، فسيتم احياء ذلك المكان من جديد بانتقال الارشيف اليه، وهي منطقة قريبة من جامع العزيزية الذي بناه السلطان عبدالعزيز، ومن منطقة تقسيم، ومن منطقة سلطان ايوب التي بها قبر الصحابي الجليل ابي أيوب الأنصاري رضي الله عنه، وهي منطقة وسطى وليست نائية كما يتراءى للبعض.
وقدمت الحكومة دعما ماديا قدره 150 مليون دولار لمشروع المبنى الجديد، وهذا مبلغ ضخم جدا ولو عملنا مقارنة بسيطة، فان المانيا بما تملكه من امكانات وقدرات مادية خصصت مبلغ 70 مليون دولار لانشاء مبنى للارشيف لديها. كما تم تخصيص 60 دونما (60 الف متر مربع ) للمكان المخصص للارشيف.
وسيكون هذا المبنى اكبر وأحدث أرشيف في العالم، حيث ستتجمع كل اقسام الأرشيف في هذا المبنى الجديد، بدلا من توزعها على مبان عدة، كما هي الحال الآن، وسيكون المبنى الكترونيا بالكامل، أو ما يعرف بالمباني الذكية، وسيتم ادخال الخدمة الرقمية الحديثة، وذلك من أجل تقديم خدمة سريعة ومتقنة، وستكون المخازن موجودة تحت كل قسم، بحيث يتم استدعاء الوثائق بسهولة وبسرعة اكبر مما هي عليه الآن. وسيعمل في قسم البحث قرابة 350 باحثا، وسيرتفع عدد الموظفين الى قرابة 1000 موظف، وستكون هناك قاعة تتسع 1000 شخص لاقامة المؤتمرات، وصالات أخرى لاقامة المعارض المختلفة، وسيصبح الأرشيف مؤسسة للبحث العلمي، ويتحول الى مركز عالمي.
هناك صحوة تركية للاهتمام، ولاحياء المباني التاريخية والأثرية من جديد، سواء كانت قصورا أو مساجد أو غيرها، ومن ضمنها الاهتمام بالوثائق والارشيف، لقناعتنا بالتاريخ المشترك بيننا وبين دول الجوار، لخلق جو أخوي وودي للتعاون والابتعاد عن شحنات الماضي من خلال الجلوس معا على مائدة الوثائق، والمواد الغنية التي تحتويها الأرشيفات.

(*) أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر
جامعة الكويت - قسم التاريخ
falkanderi@yahoo.com

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المولد النبوي الشريف في وجدان أهل البحرين عبر العصور بقلم بشار الحادي

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  وبعد..  فبمناسبة مولد سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم أحببت أن أذك...