التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الادريسي يصف أوال (1100-1166)

ورد في كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق للادريسي ما نصه:

وجزيرة أوال جزيرة حسنة بها مدينة كبيرة تسمى البحرين وهي عامرة حسنة خصيبة كثيرة الزروع والنخل وفيها عيون ماء كثيرة ومياهها عذبة منها عين تسمى عين بو زيدان ومنها عين مريلغة ومنها عين عذاري وكلها في وسط البلد وفي هذه العيون مياه كثيرة نابعة مترعة دفاعة تطحن عليها الأرحاء فالعين المسماة عين عذاري فيها عجب لمبصرها وذلك أنها عين كبيرة قدراً مستديرة الفم في عرض ستين شبراً والماء يخرج منها وعمقها يشف على خمسين قامة وقد وزن المهندسون وحذاق العلماء علو فمها فوجدوه مساوياً لسطح البحر وعامة أهل البلاد التي في هذه الجهة يزعمون أنها متصلة بالبحر ولا اختلاف بينهم في ذلك وهذا غلط ومحال لا يشك فيه لأن لعين ماؤها حلو عذب لذيذ شهي بارد وماء البحر حار زعاق ولو كانت كما زعموا لكان ماؤها ملحاً كماء البحر.
وفي هذه الجزيرة أمير قائم بنفسه وقد رضيه أهل الساحلين لعدله ومتانة دينه ولا يلي مكانه إذا مات إلا من هو مثله في العدل والقيام بالحق.
وفي هذه الجزيرة رؤساء الغواصين في البحر ساكنون بهذه المدينة والتجار يقصدون إليها من جميع الأقطار بالأموال الكثيرة ويقيمون بها الأشهر الكثيرة حتى يكون وقت الغوص فيكترون الغواصين بأسوام أجر معلومة تتفاضل على قدر تفاضل الغوص والأمانة وزمان الغوص في شهر أغشت وشتنبر فإذا كان أوان ذلك وصفا الماء للغطاص وأكرى كل واحد من التجار صاحبه من الغواصين خرجوا من المدينة في أزيد من مائتي دونج والدونج أكبر من الزورق وفي إنشائه وطاء ويقطعها التجار أقساماً في كل دونج منها خمسة أقسام وستة وكل تاجر منهم لا يتعدى قسمه من المركب وكل غواص له صاحب يتعاون به في عمله وأجرته على خدمته أقل من أجرة الغطاس ويسمى هذا المعاون المصفي ويخرج الغواصون من هذه المدينة وهم جملة في وقت خروجهم ومعهم دليل ماهر ولهم مواضع يعرفونها عياناً بوجودهم صدف اللؤلؤ فيها لأن للصدف مراعي تجول فيها وتنتقل إليها وتخرج عنها في وقت آخر إلى أمكنة أخر معلومة بأعيانها فإذا خرج الغواصون عن أوال تقدمهم الدليل والغواصون خلفه في مراكبهم صفوفاً لا تتعدى جريه ولا تخرج عن طريقه فكلما مر الدليل بموضع من تلك المواضع التي يصاد بها صدف اللؤلؤ تنحى عن ثيابه وغطس في البحر ونظر فإن وجد ما يرضيه خرج وأمر بحط قلاع دونجه وأرسى وحطت جميع المراكب حوله وأرست وانتدب كل غواص إلى غوصه وهذه المواضع يكون عمق الماء فيها من ثلاث قيم إلى قامتين فدونها وصفة غوصهم أن الغواص يتجرد عن ثيابه ويبقى بسترة تسار عورته لا غير ويضع في أنفه الخلنجل وهو شمع مذاب بدهن الشيرج يسد به أنفه ويأخذ مع نفسه سكيناً ومشنة يجمع فيها ما يجده هناك من الصدف ومع كل غواص منهم حجر وزنه من ربع قنطار إلى ما نحوه مربوط بحبل رقيق وثيق فيدليه في الماء جع جنب الدونج ويمسك الحبل صاحبه بيده إمساكاً وثيقاً ويتخلى الغواص بنفسه في الماء فيجعل رجليه على الحجر ويمسك الحبل بيديه ثم يرسل صاحبه الحبل من يده دفعة واحدة فينزل الحجر مسرعاً حتى يصل قعر البحر والغائص عليه يمسك الحبل بيديه فإذا استقر في قعر البحر نزل إلى قعر البحر وجلس وفتح عينيه في الماء ونظر إلى ما أمامه وجمع ما وجد هناك من الصدف في عجل وكر فإن امتلأت مشنته كان وإلا اندرج إلى ما قاربه والحجر لا يفارقه ولا يترك يده عن إمساك حبله فإن أدركه الغم كثيراً صعد مع الحبل إلى وجه الماء واسترد نفسه حتى يستريح ويرجع إلى غوصه وطلبه فإذا امتلأت مشنته اجتذبها صاحبه من أعلى الدونج وفرغ المشنة مما فيها من الصدف في قسمه من المركب وأعادها في البحر إلى الغواص إن كان الصدف هناك كثيراً وعلى قدر الوجود له يكون طلبه فإذا تم الغواصون في البحر مقدار ساعتين صعدوا ولبسوا ثيابهم وتدثروا وناموا وانتدب المصفي وهو صاحب الغواص فيشق ما معه من الصدف والتاجر ينظر إليه حتى يأتي على آخره فيأخذه التاجر منه ويصره عند نفسه بعدد مكتوب فإذا كان عند العصر انتدبوا إلى طعامهم فصنعوه وتعشوا وناموا ليلتهم إلى الصباح ثم يقومون وينظرون قي أغذية يأكلونها إلى أن يحين وقت الغوص فيتجردون ويغوصون هكذا كل يوم وكلما فرغوا من مكان أفنوا صدفه انتقلوا إلى غيره ولا يزالون بهذه الحال إلى آخر أغشت ثم ينصرفون إلى جزيرة أوال في الجمع الذي خرجوا فيه وما معهم من الجوهر في صررهم وعلى كل صرة منها مكتوب اسم صاحبها وهي مطبوعة بطابع فإذا نزلوا أخذت تلك الصرر من التجار وصارت في قبض الوالي وفي ذمته فإذا كان في يوم البيع اجتمع التجار في موضع البيع فأخذ كل واحد مكانه وأحضرت الصرر ودعي باسم كل واحد من أصحابها وفضت خواتمها واحدة بعد واحدة وصب ما في الصرة من لؤلؤ في غربال موضوع تحته ثلاثة غرابيل وتلك الغرابيل لها أعين بمقادير يترك منها الدقيق والمتوسط ويمسك كل نوع منها في صحن غربال فلا يبقى على وجه الغربال الأول الأعلى إلا ما غلظ من الجوهر ويبقى على وجه الغربال الثاني اللؤلؤ المتوسط ويستقر على الغربال الثالث اللؤلؤ الدقيق ثم يعزل كل صنف منها وينادى عليه بأسوامه ومستحق أثمانه فإن أحب التاجر سلعته كتبت عليه وإن شاء بيعها من غيره باع وقبض ماله والتاجر إذا اشترى متاعه إنما يكون عليه أن يؤدي اللوازم التي وجبت عليه وينتصف التجار من الغواصين والغواصون من التجار وينفصل كل أحد من كل أحد وينصرف الناس ثم يعودون إلى هناك في العام القابل هكذا أبداً.
ولصاحب جزيرة كيش التي ذكرناها في الإقليم الثاني وموضعها في بحر فارس على التجار الذين يعاملون الغواصين شيء معلوم يقبض له في ديوان البيع منهم ويبعث إليه بذلك ضريبة وما وجد من الجوهر الغالي النفيس أمسكه الوالي وكتبه على نفسه باسم أمير المؤمنين والعدل لا يفارقهم في البيع والشراء حتى لا يضام منهم أحد ولا يشكو ظلماً.
والجوهر يتكون حبه خلقاً في هذا الصدف على ما يصفه أهل بحر فارس من ماء مطر نيسان وإن لم يمطر مطر نيسان لم يجد الغواصون منه شيئاً في سنتهم تلك وهذا عندهم شيء مشهور صحيح متفق عليه بينهم.
والغوص في بلاد فارس صنعة تتعلم وينفق عليها الأموال في تعليمها وذلك أنهم يتدربون في رد أنفاسهم على آذانهم حتى أن الرجل منهم في أول تعليمه تتزكم أذناه وتتسلط وتسيل منهما المادة ثم يتعالجون من ذلك فيبرؤون منه وأعلاهم أجرة أصبرهم تحت الماء وكل واحد منهم يميز صاحبه ولا يتعدى طوره ولا ينكر فضل من تقدمه وفاقه في المعرفة والصبر.
وفي هذا البحر الفارسي جميع مغايص اللؤلؤ وأمكنته ثم إن أمكنته نحو من ثلثمائة مكان مقصودة كلها مشهورة بالغوص وقد ذكرنا منها أكثرها عند ذكر أمكنتها في مواضعها من سواحل البحور والجزائر ومغايص بحر فارس أكثر نفعاً وأمكن وجوداً للطلب من سائر البحور الهندية واليمنية وقد ذكرنا من ذلك ما فيه بلغة بل كفاية.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نواخذة البحرين بقلم بشار الحادي

 أسماء نواخذة البحرين مرتبين على حروف المعجم بين عامي (1920-1960)
هذه قائمة بأسماء النواخذة التي عثرنا عليها من خلال وثائق البلدية إضافة إلى مجموعة من المصادر والدفاتر الحكومية والخاصة، والتي استطعنا من خلالها إحصاء عدد كبير من نواخذة الغوص في البحرين ربما يتجاوز الأربعمائة اسم وهذه أسماؤهم مرتبة على حروف المعجم. حرف الألف النوخذة إبراهيم بوحزوم. النوخذة إبراهيم بن حمد الحادي. النوخذة إبراهيم بن خلف الدوسري. النوخذة السيد إبراهيم بن خليفة بن عبدالغفور السادة. النوخذة إبراهيم بن خليل الأصمخ. النوخذة إبراهيم بن خميس بن إبراهيم. النوخذة إبراهيم بن ربيعة. النوخذة إبراهيم بن صالح الجميري. النوخذة إبراهيم بن عبدالعزيز الجودر. النوخذة إبراهيم بن عبداللطيف الدوسري. النوخذة إبراهيم بن عبدالله بوهندي. النوخذة إبراهيم بن عبدالله بورشيد. النوخذة إبراهيم بن عبدالله بن سيف النعيمي. النوخذة إبراهيم بن علي. النوخذة إبراهيم بن علي المهيزع. النوخذة إبراهيم بن علي الجودر. النوخذة إبراهيم بن عيسى البن سعد الدوسري. النوخذة إبراهيم محمد منديه. النوخذة إبراهيم بن يوسف بودهيش النوخذة أحمد المطاوعة. النوخذة أحمد بن جاسم سيادي. النوخذ…

شويخ من أرض مكناس .. قصيدة شعبية عمرها أكثر من 735 عاما

مدينة مكناس قديما

قصيدة في الزجل الأندلسي ألفها الشاعر أبو الحسن الششتري أثناء اقامته بمدينة مكناس المغربية.

الشاعر مولود في إقليم غرناطة لاسرة ذات جاه وثراء . وقصة القصيدة انه التقى بأحد شيوخ المتصوفة وهو ابن سبعين، وكان الششتري قد اعتنق طريقة شعيب أبو مدين وكان متوجها إلى أصحاب ابي مدين فقال له ابن سبعين :
اذا كنت تريد الجنة فسر اليهم وان كنت تريد رب الجنة فهلم ألي.
ثم قال له : لن تدخل طريقة الصوفية الا إذا تجردت من متاعك وثيابك ولبست ملابس قشبانية صوفية (يعني ملابس مرقعة وبالية لينزع الكبر والغرور من قلبه) وحملت في يدك بنديرا (أي الدف بلغة أهل المغرب) ودخلت بهذه الصورة وبدأت بذكر الحبيب ، فصنع كما رسم له ابن سبعين وظل في السوق ثلاثة ايام يغني منشدا هذه الخواطر الصوفية :
شويخ من أرض مكناس وسط الأسواق يغني

أش عليا من الناس وأش على الناس مني

أش عليا يا صاحب من جميع الخلايق

إفعل الخير تنجو واتبع أهل الحقائق

لا تقل يا بني كلمه إلا أن كنت صادق

خذ كلامي في قرطاس واكتبوا حرز عني

أش عليا من الناس وأش على الناس مني

ثم قول مبين ولا يحتاج عبارة

أش على حد من حد إفهموا ذي الإشاره

وانظروا كبر سني والعصا وال…

صدر مؤخراً كتاب بيت القصيبي .. قصة عائلة عربية عريقة تأليف بشار بن يوسف الحادي

أسرة القصيبي من الأسر الكبيرة والعريقة والتي على الدوام تذكر بأعمالها الطيبة ومكارم أخلاقها ومناقبها، ولعل الصدف المحضة أبرزتها إلى ساحة الأحداث كما في فترة ما قبل الحرب العالمية الأولى من جلاء العثمانيين من المنطقة وتوسع النفوذ البريطاني واستعادة الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود طيب الله ثراه لحكم أجداده. ولعل تلك المصادفات والظروف المواكبة لها من سوء تصرفات الولاة العثمانيين وانقطاع الأمن في المنطقة جعلت من أسرة القصيبي وكلاء للملك عبدالعزيز آل سعود في البحرين والأحساء ومستشارين مؤتمنين له ومعاونين ملبين لاحتياجاته وطلباته في أمور متنوعة سواء كانت اجتماعية أو ذات طابع عسكري أو سياسي، أو حتى معلوماتي أو دبلوماسي رغم انغماسهم في تجارتهم التي وصلت إلى الهند ودولتي بريطانيا وفرنسا خلال الثلاث عقود الأولى من القرن العشرين. ورغم شهرة البعض منهم دون الآخرين بأسباب انغماس بعضهم في الحياة العامة، إلا أنا وجدناهم من بحثنا يؤدون أدواراً مُتباينة ومتفاوتة كأسرة واحدة تجارية متداخلة فيما بينها مساندة متعاضدة مع الملك عبدالعزيز آل سعود طيب الله ثراه. ولعلنا في هذا نسرد بداية شيئاً بسيطاً عن تا…