الأحد، 14 مارس 2010

القطب اليونيني وكتابه ذيل مرآة الزمان

يعتبر اليونيني من أعلام المؤرخين الشاميين الذين ظهروا إبان دولة المماليك البحرية، وواكبوا انطلاقتها الأولى على الجبهة الشامية، كما يعد شاهداً مبكراً لحقبة لا تزال تستلزم المزيد من الدرس والاستقصاء، خاصة إذا ما أخذ بعين الاعتبار قلة ما نشر من الوثائق أو المصادر المتعلقة بمئة السنة الأولى من عمر الدولة المذكورة.
وصحيح أن اليونيني لم يل منصباً حكومياً يتيح له الاضطلاع ببعض مسؤوليات السلطة كما هو الحال عند معاصريه إلا أن صلاته الواسعة برجالات عصره، وانتماءه إلى عائلة ذات مكانة دينية مرموقة لدى الحكام وعامة الشعب قد أتاحا له حرية التعبير عن كثير من الحقائق التي عمد معاصروه الرسميون إلى إخفائها، أو تحويرها ، أو قلبها.
على أن أهمية اليونيني لا تقف عند حدود الجانب السياسي للحقبة التي عاصرها، وإنما تتعداها إلى جوانب أخرى تتصل بالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والدينية للمجتمع الإسلامي آنذاك، وإن الباحث لن يعدم أن يجد في الذيل إجابات واسعة حول طبيعة هذه الأوضاع، والعلاقات القائمة فيما بينها، ومدى تأثرها مجتمعة بالتحديات الداهمة أو التطورات المستجدة خاصة حينما يتصل الأمر بقضايا تمس صميم المجتمع وتشكل تحدياً لوجوده واستمراره.
ولا يغفل اليونيني الإشارة إلى الظلال القاتمة التي تتركها هذه التحديات على الأوضاع المعيشية للناس، فارتفاع أسعار السلع الغذائية في الذيل وندرة بعضها واتعدام بعضها الآخر من السمات التي تميز الاقتصاد الشامي في فترات الصراع المملوكي التتاري وبصورة أخف المصري كما تعبر عن انحطاط الأوضاع الأمنية وتدهورها حيث تكثر أعمال التخريب والنهب، والسرقة والتشليح، والسطو، والغارات على البساتين والحواضر البرانية لدمشق.
أما ما يتعلق بالحياة الأدبية والعلمية والفكرية في مصر والشام فإن الذيل يتيح للمعنيين بهذا الجانب تكوين صورة وافية عن التراث الثقافي المملوكي، فالنقول الواسعة التي تضمنها من حكايات وطرائف ومساجلات وأشعار قمينة أن يكون لها دورها المؤثر في هذا الاتجاه، فضلاً على ما لهذه النقول من أهمية في استنقاذ كثير من الأصول الأدبية والشعرية المفقودة والضائعة أو إعادة النظر فيما وصل إلينا منها.
فعلى سبيل المثال يمكن للذيل أن يؤدي دوراً محموداً في استعادة الضائع من تاريخ الظاهر بيبرس لابن شداد وذلك بالعودة إلى ما أخذه اليونيني صراحة عن ابن شداد عن الفترة ما بين 658-669هـ وهي الفترة المقابلة للجوء الضائع من التاريخ المذكور.
من جهة أخرى فقد ضمن اليونيني تاريخه معلومات واسعة عن الحلقات والمجالس العلمية التي كانت تموج بها المدارس والمساجد والزوايا في مصر والشام وأبرزت لنا تراجمه سجلاً عريضاً من العلماء يتوزع دمشق والقاهرة وحلب والاسكندرية والقدس كما حفظت أسماء العديد من الكتب والكراريس والمصنفات المتداولة آنذاك دون أن يغفل الإشارة إلى ما كان يدور من معارك فقهية ومذهبية وفكرية على الساحة الإسلامية بين العلماء أنفسهم، وبين هؤلاء والسلطة أحياناً، وما كان لهذه المعارك من أصداء مدوية على الصعيدين الرسمي والشعبي.
المصدر: اليونيني، أبو الفتح موسى بن محمد (640-726هـ) ، ذيل مرآة الزمان، دراسة وتحقيق حمزة أحمد عباس، ط1، أبوظبي، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، المجمع الثقافي، 2007م. والكتاب في الأصل رسالة دكتوراه من جامعة القديس يوسف، بيروت، حصل عليها المحقق بتقدير جيد جداً، الكتاب من القطع الكبير، ويقع في ثلاثة مجلدات، السعر 150 درهم، الترقيم الدولي 9948-01-147-3 .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المولد النبوي الشريف في وجدان أهل البحرين عبر العصور بقلم بشار الحادي

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم  وبعد..  فبمناسبة مولد سيد الكائنات صلى الله عليه وسلم أحببت أن أذك...